البعثة النبوية وإنقاذ الإنسان من الضياع

 

يقول تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. [سورة آل عمران، الآية: 164].

تدلّ مفردة (ضَلَّ) في اللغة العربية على ضياع الشيء، وعدم الاهتداء إليه، فيقال أضلَّ بعيرَه، إذا غابَ عنه وضاع، وضلَّ الطّريقَ إذا لم يهتدِ إليه، وضَلَلْتَ المَسْجدَ والدّارَ إِذا لَمْ تَعْرِفْ مَوْضِعَهُمَا.

(فالضّلال: فقدان الرشاد والدلالة إلى المقصود، سواء كان في جهة مادية أو معنوية)[1] .

إنّ الله تعالى يصف حال الناس قبل البعثة النبوية، في أكثر من آية في القرآن الكريم، بأنّهم كانوا في ضلال مبين، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. [سورة آل عمران، الآية: 164].

وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. [سورة الجمعة، الآية: 2].

أي في ضياعٍ وتيهٍ واضح، لم يهتدوا إلى الطريق الصحيح في حياتهم، يعيشون الضياع في أفكارهم ومعتقداتهم، وفي سلوكهم، وفي نظام علاقاتهم الاجتماعية.

إنّ الإنسان يشعر بالضياع حينما لا يعرف مكان تواجده، أو لا يدرك غاية وجوده في ذلك المكان، وإذا كان لا يعرف إلى أين هو متجه في سيره، أو كان له مقصد ولكن لا يهتدي الطريق إليه.

وأخطر ما يتعرض إليه الإنسان من ضياع، هو الضياع الروحي، والضياع القيمي الأخلاقي، وهذا ما كان يعيشه الإنسان قبل البعثة النبوية، وبعد انطماس معالم الرسالات النبوية السابقة.

الضياع الروحي

الضياع الروحي هو: فقدان الإنسان للرؤية الصحيحة عن مبدئه ومصيره، وهدف حياته ووجوده، وعن علاقته بالخالق جلَّ وعلا.

لأنّ الإنسان كائن مدرك مفكر، فإنه يجد نفسه أمام تساؤلات ملحّة، عن وجوده في هذه الحياة، وعن مسيره ومصيره.

وهي الأسئلة المصيرية التي يُعبّر عنها بمقولة:

من أين؟ وفي أين؟ وإلى أين؟

وإذا لم يلتفت إلى هذه التساؤلات، فذلك يعني تجاهله لأهم ميزة له كإنسان عن سائر الحيوانات، التي لا تفكير لها ولا إدراك يتجاوز حياتها البهيمية.

يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ. [سورة محمد، الآية: 12].

فالحيوانات لا تدرك في أيّ مكان تكون، ولا يعنيها ذلك، ولا تملك الاهتمام والتفكير في المصير.

وحين لا يصل الإنسان إلى الإجابات المقنعة عن تلك التساؤلات، يعيش فراغًا وتمزقًا نفسيًا، وكذلك حين يأخذ بإجابات خطأ، فإنّها تربك تفكيره، ومسيرة حياته، قد تؤدي به للانقياد للخرافات والأساطير.

كما هو حال المشركين الذين كانوا يصنعون أصنامًا، ثم يعتقدون أنّها تؤثر في الكون والحياة، ويلجأون إليها في مهمات حياتهم.

يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ. [سورة النحل، الآية: 20].

ويقول تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ. [سورة يس، الآية: 74].

ويقول تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا. [سورة مريم، الآية: 81].

ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ. [سورة الزمر، الآية: 3].

ويقول تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ. [سورة يونس، الآية: 18].

هكذا كان المشركون يعيشون بهذه الأوهام والخرافات، ويتوقعون من تلك الأصنام التي صنعوها بأيديهم، أن تمنحهم العزة والنصر، وأن تقربهم إلى الله، وتشفع لهم عنده.

الهداية إلى الله

إنّ أهم ما يقدّمه الأنبياء للمجتمعات البشرية، هدايتهم إلى ربهم وخالقهم، ليؤمنوا به إلهًا خالقًا مدبرًا واحدًا، ولا يقعوا في متاهة الكفر والشرك والخرافات والأساطير.

جاء في خطبة عن أمير المؤمنين علي : «فَبَعَثَ اللهُ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الاَوْثَانِ إِلَى عِبَادَتِهِ، وَمِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ إِلَى طَاعَتِهِ، بِقُرْآن قَدْ بَيَّنَهُ وَأَحْكَمَهُ، لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ، وَلِيُقِرُّوا بِهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ، وَلِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ. فَتَجَلَّى سُبْحَانَهُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ، بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ، وَخَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ»[2] .

وإلى جانب الإيمان بالله تعالى يذكّر الأنبياء الناس بمصيرهم بعد هذه الحياة، وأنّ الله تعالى يبعثهم للحساب والجزاء، فيُثاب المحسن ويُعاقب المسيء، وذلك ما يحفّز البشر نحو الخير، ويردعهم عن الشّر، وبدون ذلك يكون وجود البشر عبثًا.

يقول تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ. [سورة المؤمنون، الآية: 115].

لكنّ الجهل والهروب من المسؤولية، يدفع الناس إلى إنكار البعث، يقول تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ. [سورة الأنعام، الآية: 29].

ويُبررون إنكارهم للبعث، بعدم تصورهم لإمكانية حصوله، متجاهلين قدرة الله تعالى التي أوجدتهم في هذه الحياة.

يقول تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ‎﴿﴾‏ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. [سورة يس، الآيتان: 78-79].

ويوجه الأنبياء الخلق إلى الارتباط الدائم الوثيق بخالقهم، لأنّ ذلك هو ما يمنحهم الثقة والاطمئنان، والقدرة على مواجهة صعوبات الحياة.

يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ. [سورة الرعد، الآية: 28].

ويقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ. [سورة البقرة، الآية: 186].

هكذا تكون البعثة النبوية إنقاذًا للإنسان من الضياع الروحي.

الضّياع القيمي الأخلاقي

أما الضّياع الآخر الذي أنقذت البعثة النبوية الإنسان من متاهته، فهو الضّياع القيمي والأخلاقي؛ لأنّ تعامل الإنسان مع الحياة، ومع أخيه الإنسان يتأثر بمنظومة القيم التي يؤمن بها، والأخلاق التي يلتزم بها.

وحين لا تخضع الحياة الاجتماعية للقيم الإنسانية العادلة، يعيش الناس الاضطراب والاحتراب، وتسودهم الأنانية والعصبية المقيتة، وهذا ما كان يعيشه الناس قبل البعثة النبوية، فأنقذهم الله تعالى ببعثة النبي محمد ، الذي عمل على تزكية النفوس، وإيقاظ الضمائر، وإثارة العقول، وأسس لمنظومة من القيم النبيلة السامية، على أنقاض قيم الجاهلية الزائفة، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. [سورة آل عمران، الآية: 164].

فارتقى ذلك المجتمع من حالة التناحر والعداء والاحتراب، إلى مستوى رفيع من التآلف والوحدة.

يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا. [سورة آل عمران، الآية: 103].

بركات البعثة النبوية

ببركات البعثة النبوية، تحقق انبعاث عظيم، في مجتمع كان يعيش التخلف والجهل والتمزق والاضطراب، فأصبح أمة رائدة ترفع لواء الحضارة والتقدم في العالم.

وباعتراف المؤرخين والباحثين، فإنه يعتبر أعظم تغيير اجتماعي حدث في مسيرة التاريخ البشري.

ونكتفي هنا بإيراد ما ذكره الفيلسوف الأمريكي المؤرخ ول ديورانت في موسوعته (قصة الحضارة) يقول: (وإذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس قلنا: إنّ محمدًا كان من أعظم عظماء التاريخ، فقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعب ألقت به في دياجير الهمجية حرارة الجو ولهيب الصحراء، وقد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحًا لا يدانيه فيه أيّ مُصلح آخر في التاريخ كلّه، وقلّ أن نجد إنسانًا غيره حقق كلّ ما كان يحلم به، وقد وصل إلى ما كان يبتغيه عن طريق الدين، ولم يكن ذلك لأنه هو نفسه كان شديد التمسك بالدين وكفى؛ بل لأنه لم يكن ثمة قوة غير قوة الدين تدفع العرب في أيامه إلى سلوك ذلك الطريق الذي سلكوه، فقد لجأ إلى خيالهم وإلى مخاوفهم وآمالهم، وخاطبهم على قدر عقولهم، كانت بلاد العرب لما بدأ الدعوة صحراء جدباء، تسكنها قبائل من عبدة الأوثان، قليل عددها متفرقة كلمتها، كانت عند وفاته أمة موحدة متماسكة، وقد كبح جماح التعصب والخرافات، وأقام فوق اليهودية والمسيحية ودين بلاده القديم دينًا سهلًا واضحًا قويًّا، وصرحًا خلقيًّا قوامه البساطة والعزة، واستطاع في جيل واحد أن ينتصر في مائة معركة، وفي قرن واحد أن ينشئ دولة عظيمة، وأن يبقى إلى يومنا هذا قوة ذات خطر عظيم في نصف العالم)[3] .

لقد صنعت البعثة النبوية أمة كانت أنموذجًا للرقي والتقدم، وأسست تعاليم الإسلام لحضارة تبوأت موقع القيادة والريادة في التاريخ الإنساني، وكان لحضارة الإسلام دور في تحفيز مختلف الأمم للنهوض والتّطور، حيث يعترف العلماء والباحثون الغربيون بالأثر الكبير للحضارة الإسلامية، في تشكيل عصر النهضة في المجتمعات الغربية.

إنّ عطاء البعثة النبوية متواصل متجدّد، يواكب حاجة الإنسان إلى الهداية في كلّ عصر، وينقذه من الضّياع والضلال في مختلف الأزمنة.

وفي عصرنا الحاضر تشتدُّ حاجة الإنسانية إلى القيم الروحية والأخلاقية، لمواجهة حالة التّصحّر الروحي والأخلاقي، التي تزحف على المجمعات البشرية، بسبب هيمنة النزعة المادية، وتغوّل الروح الأنانية، والتّحريض المفرط لشهوات الإنسان وأهوائه.

مما يوجب على المنتمين لنهج البعثة النبوية، أن يتحملوا مسؤوليتهم في مواصلة تبليغ رسالة الدين، امتدادًا لجهود النبي في السعي لإنقاذ البشرية جمعاء، فقد بعثه الله رحمة للعالمين، وأرسله كافة للناس بشيرًا ونذيرًا.

 

خطبة الجمعة 28 رجب 1445هـ الموافق 9 فبراير 2024م

[1]  المصطفوي: التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج7، ص40.
[2]  نهج البلاغة، خطبة: 147.
[3]  وليام جيمس ديورانت: قصة الحضارة، ج13، ص 47 (عصر الإيمان).