العلَّامة الصفار.. العالم والمعلِّم

الشيخ حسين الخشن *

 

بسم اللَّه الرحمن الرحيم وبه نستعين..

إنّ هذا المسعى الذي تداعيتم إليه بهدف تكريم سماحة العلّامة الجليل الشيخ حسن الصفار، يُعبِّر عن لفتةٍ كريمةٍ وموفَّقة لأنه أهل لذلك.. وإنّ الأمم التي تحترمُ نفسها تسعى في تكريمِ طاقاتها وأهلِ الرأي والعلم فيها في حياتهم، بدل أن تمارس التعتيم عليهم والإقصاء لهم في حياتهم ثم تُغدق عليهم ألقابَ الاحترام بعدَ رحيلهم عن هذه الدنيا!

وتجدر الإشارة إلى أنَّ تكريم العلماءِ ليس عملًا احتفاليًّا يقتصرُ فيه على الثناء عليهم ومدحهم وإطرائهم.. وإنما التكريم الحقيقي والنافع هو الذي يتم فيه تسليط الضوء على تجربتهم في الحياة، ومنهجهم في التفكير، ومعالم حركتهم التغييرية، وبيان أهم مزاياهم الأخلاقية والرسالية..

وفي ضوءِ ذلك، فإننا نتطرَّق إلى أهم المزايا التي رأيناها في شخصية الشيخ الصفار، والتي نخال أنها ساهمت في نجاح تجربته، وهي في الوقت عينه من سنخ المزايا التي يمكن أن تستلهم منها الأجيال، وأن يحتذي بها أهل العلم، هي ما يلي:

أولًا: الخُلقُ النبيل:

يأسُركَ في الشيخ الصفار خلقه النبيل، الذي يتجسَّد في تواضعه الجمِّ وأدبه الرفيع وحسن معشره وبِشره الذي يُلازمه، فهو يُقبل بكلّهِ على مُحدِّثهِ أيًّا كان، ولو كان يراه أو يجالسه للمرة الأولى، ولا يبخل أبدًا بإغراقه بأرقِّ المشاعر الإنسانية وأجملها، ولذا لا تستطيع مهما اختلفت معه في الرأي إلَّا أن تُقدّر فيه هذه الأخلاقية العالية.. وفي هذا السياق يلفتكَ تواضعه العلمي، فمع كونه عالمًا جليلًا فإنه لا يتردَّد في أن يُبدي إعجابَه بفكرةٍ أو طرحٍ علمي حتى لو جاء به بعض الطلاب الذين هم في رتبةِ تلامذته.. ومن هنا نراه يُثني على جهود الآخرين مشجِّعًا لهم على مواصلة البحث العلمي.

ثانيًا: العالِم الرسالي:

إنّ شيخنا الجليل هو من نسيج الرجالات الذين وقفوا أنفسهم على العمل الرسالي، وبذلوا حياتهم في سبيل خدمة الإنسان.. فكان حركةً سيّارة ومتنقِّلة، وعاش -ولا يزال- همّ الإسلام، وجنّد نفسه للدعوة إلى اللَّه تعالى ونشر القيم التي بشَّرت بها الرسالة الإسلامية، ومن هنا رأيناه حاضرًا في شتَّى الميادين، مدافعًا منافحًا، منظِّرًا ومؤصِّلًا، كاتبًا ومتحدِّثًا، وكلّ ذلك ترافق مع مساعٍ مباركة في سبيل نهضة الأمّة وإيقاظ المجتمع من سباته العميق.. وإنّ تفانيه وإخلاصه في هذا المجال جعلاه شخصيةً مؤثِّرةً في الكثير من أبناء الأمة، ولم يبقَ شخصية محصورةً في بقعةٍ جغرافيةٍ معيَّنة.. وإنّ كتبه ومحاضراته تمثِّل غذاءً وزادًا روحيًّا وثقافيًّا للكثيرين على امتداد رقعة العالم الإسلامي.

ثالثًا: الجرأة في النقدِ الذاتي:

ولعل من أهمّ ما يمتاز بهِ شيخنا العلّامة الصفار أنه -بحسب دراستنا لتجربته الحركية- على استعدادٍ لممارسة نوع من النقد الذاتي والقيام بمراجعةٍ لأفكاره ومواقفه السابقة، وأخاله لا يرفض التراجع عن موقفٍ أو الاعتراف بوجودِ خطأٍ ما في مسيرة العمل الحركي أو حتى في الخطاب الثقافي.. وهذه الجرأة في النقد جعلت الشيخ يُقدمُ على اتِّخاذِ قراراتٍ وخطوات حاسمة وهامَّة في تاريخِ عمله الجهادي والنضالي.. وأعتقد أن من لديه القدرة على نقد ذاته وتجربته هو الأحرى والأكثر قدرة وموضوعية على القيام بقراءات نقدية لفكر الآخرين أو تجاربهم.

رابعًا: البعد الإسلامي والإنساني:

وتنطوي شخصية الشيخ الصفار على بعدٍ إسلامي عابر للمذاهب، ومن هنا آمن بفكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية، وعمل لها بكل إخلاص؛ لأن التقريب يُمثِّل خشبة الخلاص لانتشال هذه الأمة من حالة التمزُّق والتشتُّت التي تُعاني منها، وقضية التقريب عندهُ ليست مجرَّد مجاملات أو مظاهر وشعارات، وإنما هي مبدأٌ ودينٌ يدينُ اللَّه بهِ، ومن هنا مثّلت هذه القضية أحدَ همومهِ الكبرى، وقد انعكس ذلك على خطابته وكتاباتهِ وجهودهِ. وإنّ انفتاح الشيخ الصفار على المذاهبِ الإسلاميةِ الأخرى وانخراطه الجاد في حوارات ولقاءات هادفة مع علماء تلك المذاهب هو أمرٌ ملحوظ في مسيرته. ويُمكنُ أنْ نضع هذه الميزة في سياقٍ أرحب، وننظر إليها من زاوية أوسع، وهي الزاوية الإنسانية العابرة للمذاهب والأديان، فإنّ خطاب الشيخ الصفار خطاب إنساني بامتياز، فهو يدعو إلى الحوار والتواصل ليس بين المسلم وأخيه المسلم فحسب، بل وبين الإنسان وأخيه الإنسان أيًّا كان دينه، وهو يرى أن الأصل في العلاقات الإنسانية هو التعاون، وذلك بالانطلاق من الأسس والمبادئ المشتركة في سبيل بناء حياة إنسانية كريمة وإرساء نوع من السِّلم العالمي.

خامسًا: خطابٌ تجديدي وحُسُّ معاصرة:

ولا ينهمك شيخنا الجليل -فيما نرصده من اهتماماته- في همومٍ ثقافيةٍ تجريدية لا تُمثِّلُ تحدِّيًا لأبناء هذا العصر، كما يفعل البعض ممَّن يعيشون همومًا مضى عليها الزمان.. إنه يعيشُ عصره، فهو عالمٌ بزمانهِ وهمومهِ ومشكلاته، ومن هنا وجدناه في كل ما كتب أو حاضرَ يعالجُ مشكلاتٍ راهنة، محاولًا وضع الحلول لها وتقديم الإجابات عليها (الإسلام والعنف، قضية الوحدة الإسلامية، مشكلات الشباب، قضية النهوض بالأمة والمجتمع، الاجتهاد والتجديد..).

هذه بعضُ اللمحاتِ عن شخصيةِ علّامتنا الجليل الشيخ حسن الصفار، دونتها -على عجل- مستندًا في ذلك إلى معايشتي لسماحته.. وبالتأكيد فإن ثمَّةَ مزايا أخرى يمكن اكتشافها في هذهِ الشخصيةِ التي نسألُ اللَّهَ سبحانهُ وتعالى لها دوام التوفيق والعطاء المتواصل..

 

ملحوظة: نشرت المقالة سابقًا في كتاب: الشّيخ حسن الصّفار: عالمًا.. مُفكّرًا.. مصلحًا [بأقلام عدد من الفقهاء والمفكرين والأدباء]؛ إعداد وإشراف عبد العظيم حسين الصّادق، مؤسسة الانتشار العربي، الشارقة -الإمارات العربية المتحدة، الطّبعة الأولى، 2022م، ص: 53-53.
فقيه ومفكر لبناني