الشيخ الصفار الصبر شجاعة أخلاقية ومعين في مواجهة التحديات
أكد سماحة الشيخ حسن الصفار أن خُلُق الصبر ليس حالةً سلبية من التحمّل، ولا تعبيرًا عن ضعفٍ أو استسلام، بل هو قوةٌ داخلية، ومنهجٌ أخلاقي، يعيد ترتيب النفس أمام تقلبات الحياة، ويمنح الإنسان القدرة على إدارة الأزمات بثباتٍ ووعي.
جاء ذلك في كلمته التي ألقاها مساء الأحد 12 شهر رمضان 1447هـ الموافق 1 مارس 2026م، في منزل الحاج حسن العطافي بحي الفيحاء في سيهات، حيث استعرض سماحته البعد الأخلاقي العميق لمفهوم الصبر، في تراث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
، منطلقًا من قوله: «عَوِّدْ نَفْسَكَ التَّصَبُّرَ عَلَى الْمَكْرُوه، ونِعْمَ الْخُلُقُ التَّصَبُرُ».
وبيّن الشيخ الصفار أن تراث أمير المؤمنين
يُعدّ مدرسةً متكاملة في معالجة القضايا الأخلاقية، إذ تناول مختلف مفردات الأخلاق، تعريفًا وتأصيلًا وآثارًا ومنهجًا، مؤكدًا أن الصبر يحتل موقعًا محوريًا في بناء شخصية الإنسان، نظرًا لما يواجهه في حياته من تحدياتٍ ومشكلاتٍ وآلام.
وأوضح أن الصبر لا يعني تعطيل الأسباب أو ترك المعالجة، فالمشكلات التي يمكن حلّها يجب السعي لتجاوزها، أما ما يفرض نفسه على الإنسان، ولا يملك حياله حيلة، فهنا يكون الصبر ضرورةً وجودية، تحفظ توازنه النفسي والروحي.
وتوقف عند تعريف الإمام علي
للصبر بأنه: «أَنْ يَحْتَمِلَ الرَّجُلُ مَا يَنُوبُهُ، وَيَكْظِمَ مَا يُغْضِبُهُ»، معتبرًا أن هذا التعريف يكشف عن بُعدين متكاملين: تحمّل الألم الخارجي، وضبط الانفعال الداخلي، وهو ما يجعل الصبر تعبيرًا عن إرادةٍ واعية لا عن انكسار.
وأشار إلى أن أصل الصبر ومنبعه هو حسن اليقين بالله تعالى؛ فكلما ازداد يقين الإنسان بحكمة الله ورحمته، تعاظمت قدرته على التحمّل، لأن نظرته إلى الأحداث تتجاوز ظاهرها الآني، إلى أبعادها المستقبلية والأخروية والروحية.
وفي بيان آثار الصبر، استشهد الشيخ الصفار بقول الإمام
: «بِالصَّبْرِ تَخِفُّ الْمِحْنَةُ» و «الصَّبْرُ عَوْنٌ عَلَى كُلِّ أَمْرٍ»، موضحًا أن الصبر يخفف الضغوط النفسية، ويعين الإنسان في مسيرته العلمية والعملية والاجتماعية، وأن غيابه يؤدي إلى التعثر والانقطاع.
كما عالج الفهم الخاطئ الذي يربط الصبر بالضعف، مستندًا لقول الإمام
: «الصَّبْرُ شَجَاعَةٌ» وأن كظم الغيظ وضبط النفس أمام الاستفزاز، يتطلبان قوةً داخلية، تفوق ردود الفعل الانفعالية.
وتناول سماحته أقسام الصبر الثلاثة التي ذكرها الإمام علي
: «إمّا صَبرٌ على المُصيبَةِ، أو على الطاعَةِ، أو عنِ المَعصيَةِ»، مبينًا أن «الصَّبر عنِ المَعصيَةِ» هو أفضلها لأنه يمثل جهاد النفس في مواجهة الشهوات والإغراءات، لا سيما في عصرٍ تتكاثر فيه مثيرات الغرائز.
وفي سياق الصبر على الطاعة، شدّد الشيخ الصفار على أن أعمال الخير كإصلاح ذات البين، وتأسيس المشاريع الخيرية، وخدمة المجتمع، تحتاج إلى صبرٍ أمام ما قد يرافقها من ضغوط وانتقادات.
واستشهد بما ورد عن النبي محمد
: «صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ».
كما دعا إلى استحضار الصبر في العلاقات الاجتماعية، داخل الأسرة، ومع الجيران، وفي بيئة العمل، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾.
وتابع: إن حسن العلاقة لا يقتصر على كف الأذى، بل يتجاوز ذلك إلى تحمّل الأذى أحيانًا، حفاظًا على المصلحة الأكبر.
واستعرض الشيخ الصفار ملامح الصبر في السيرة العملية لأمير المؤمنين
، ابتداءً من صبره على ما لقيه بعد رحيل رسول الله
، إلى تحمّله الظلم وفقد أعزّ أصحابه في ميادين الجهاد، معتبرًا أن الإمام قدّم للأجيال نموذجًا عمليًا للصبر بوصفه ثباتًا على المبدأ، لا انسحابًا من الموقف.
ودعا سماحته في ختام حديثه إلى الاقتداء بهذا النهج الأخلاقي في مختلف مجالات الحياة، سائلاً الله تعالى أن يمنح الجميع الصبر على المصائب، والصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، وأن يوفقهم للتحلي بمكارم الأخلاق.









