ثقافة التأهيل للحياة الزوجية
يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة الروم، الآية: 21].
يُعدّ قرار تأسيس الحياة الزوجية واختيار الزوج، من أهم القرارات المفصلية في حياة الإنسان، ذكرًا وأنثى.
ذلك أنّ الزواج يُمثّل أخصّ وأوثق العلاقات التي تنشأ بين بني البشر.
إنها علاقة مفتوحة على مستويي الروح والجسد، وتداخل واندماج على المستوى النفسي والعاطفي.
فبعد أن يتجاوز الإنسان مرحلة الطفولة ورعاية التبعية لوالديه، يشعر باستقلاله، وينمو وعيه بذاته، وتتشكل ملامح شخصيته، وبقرار الزواج تصبح هناك ذات أخرى إلى جانب ذاته، لها وعيها وملامحها وشخصيتها الخاصة، فتتكون من الذاتين المستقلتين المتصلتين بقرار الزواج حياة جديدة، فيها مساحة واسعة مفتوحة من المشاركة، مع استمرارية الشعور بالذات الخاصة لكلٍّ منهما، على تفاوت في مستوى ذلك الشعور، حسب اختلاف النفسيات وطبيعة التعامل في حياة الزوجين.
التوصيف القرآني للحياة الزوجية
وقد وصف القرآن الكريم هذه العلاقة الإنسانية المتميزة بين الزوجين بأروع وأدقّ الصفات. فأطلق عليها أنها بمثابة السكن لنفس الإنسان.
يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [سورة الروم، الآية: 21].
فكما يحتاج الإنسان إلى المسكن ليأوي إليه، ويحتمي به من تقلبات الطقس، البرد والحر، والمطر والرياح، ومن إيذاء الحيوانات واعتداء اللصوص. وليعيش في مسكنه خصوصيته، ويمارس حريته، كذلك هي الحياة الزوجية، سكنٌ لنفسه، يحميه من مشاعر العزلة والوحدة، وعون له في مواجهة تحدّيات الحياة، وإطار لتلبية رغباته البيولوجية والعاطفية.
وفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [سورة البقرة، الآية: 187].
ومن المعلوم أنّ علاقة الإنسان بلباسه، تمتاز بالالتصاق في المقام الأول، حيث يلتصق اللباس بالجسم تمامًا، وحينما يصف القرآن الكريم العلاقة الزوجية باللّباس، فإنّ ذلك من باب التمثيل لحالة القرب الشديد. كما يأتي وصفها باللّباس، لما في اللّباس من حماية للجسم، من البرد والحرّ والغبار، وسائر العوامل الخارجية، التي يمكن أن تؤثر على الإنسان، ومضمون ذلك، أنّ العلاقة الزوجية يفترض بها أن توفّر الحماية المتبادلة بين الزوجين، على نفس المستوى، وإضافة لذلك، يأتي الوصف باللّباس لما في اللباس من ستر لعورة الإنسان، حيث تمثّل العلاقة الزوجية سترًا أخلاقيًّا للإنسان. وأخيرًا لما في اللباس من زينة، فبالقدر الذي يتجمّل الإنسان بلباسه، فهو يتجمّل كذلك بالعلاقة الزوجية في حياته الاجتماعية.
المساحة المشتركة والفاصلة بين الزوجين
قد تطغى حالة الاندماج بين الزوجين، لتتقلص مساحة الشعور بالذات الخاصة إلى الحد الأدنى، للتوافق الشديد بينهما، أو لذوبان أكبر من شخصية أحدهما في الآخر.
وعلى العكس من ذلك قد يتضخم الشعور بالذات الخاصة، عند كلا الزوجين أو أحدهما، وتتقلص مساحة الاندماج والتوافق، وحينئذٍ تتسع حالة التباين، إلى حدٍّ تضطرب فيه العلاقة بين الطرفين، وتكون مهددة بالتفكك والانهيار.
وهنا تأتي أهمية اتخاذ القرار الواعي، لتأسيس الحياة الزوجية، فحين يختار الرجل أو المرأة شريك الحياة، ويعزمان على عقد اتفاقية الزواج، يجب أن ينطلقا من اختيارٍ واعٍ وإدراك واضح لطبيعة الشراكة والحقوق المتبادلة بينهما.
أهمية الإعداد والتأهيل
ونريد الإضاءة على زاوية مهمة ترتبط بهذا الموضوع. وهي: أهمية الإعداد والتأهيل المسبق للحياة الزوجية.
إننا نعيش في عصر اتسعت فيه أبعاد شخصية الإنسان وتنوعت اهتماماته، وتعدّدت الخيارات أمامه في كلّ جزئية من جزئيات الحياة، وازدادت سرعة التغيير والتطوير، فما عادت الحياة المعاصرة في بساطة ورتابة الحياة الماضية.
لذلك يحتاج الإنسان للمعرفة والتدقيق، في كلّ خيار من الخيارات التي أمامه، وقبل التعامل مع أيّ قضية من القضايا في حياته.
في الماضي، لم يكن الإنسان بحاجة إلّا إلى مستوى محدود من التأهيل للدراسة أو العمل، أو العلاقة الاجتماعية، لأنّ الخيارات محدودة، وهي واضحة لمحدوديتها ورتابتها، أما الآن فالأمر مختلف جدًّا، لذلك تشتدّ حاجة الإنسان إلى الإعداد والتأهيل، قبل أيّ وضع جديد ينتقل إليه، فقبل مرحلة الدراسة الفعلية يحتاج الطفل الناشئ إلى المرحلة التحضيرية: الحضانة أو الروضة، وقبل الجامعة يحتاج الشاب إلى اختبار قدرات، واختيار مسار جامعي مناسب، وفي الجامعات هناك سنة تحضيرية، وهي مرحلة أكاديمية تأسيسية تهدف لتأهيل خريجي الثانوية لمتطلبات التعليم الجامعي.
وقبل الالتحاق بأيّ عمل، يحتاج الإنسان إلى تدريب يؤهله لممارسة الوظيفة التي يريد القيام بها، وقبل السماح له بقيادة السيارة يحتاج إلى تدريب وأخذ رخصة قيادة.
وقبل استخدام أيّ جهاز، يحتاج إلى الاطلاع على دليل المنتج (الكتالوج)، لمعرفة طبيعة الجهاز وطريقة التعامل معه، وقبل تناول أيّ دواء يحتاج إلى قراءة صفحة من التعليمات المرفقة به، وقبل الإقلاع في أيّ رحلة طيران، يتم تذكيره بالتعليمات والإرشادات المتبعة، في ظروف رحلات الطيران.
مجازفة خطيرة
في المقابل، هل يصح اتخاذ القرار الأهم في حياة الإنسان وهو الزواج، والدخول إلى مرحلة الحياة الزوجية، دون إعداد وتأهيل مسبق؟
إنها مجازفة خطيرة، خاصة في هذا الزمن، وقد لا تكون بهذا القدر من الخطورة في الأزمنة السابقة.
إنّ عدم التأهيل لأبنائنا وبناتنا لحياتهم الزوجية المستقبلية، مع ما يعيشونه من تطور وتغيير متسارع في طبيعة الحياة الاجتماعية والثقافية، هو سببٌ في كثير من حالات العزوف عن الزواج، والفشل في إدارة الحياة الزوجية، وتصاعد أرقام الطلاق، ونسبة الخلافات الزوجية والتفكك الأسري.
ملاحظات وتوصيات
هنا لا بُدّ من التأكيد على بعض الملاحظات والتوصيات:
1/ يجب الاعتراف أنّ هناك قصورًا وتقصيرًا في تحديث الخطاب الديني، كمًّا وكيفًا، فيما يرتبط بقضايا الزواج، ومعالجة المتغيرات والمستجدات في الحياة الزوجية، فلا تزال معظم الكتب الفقهية تطرح مسائل النكاح والطلاق، بمصطلحات وتعابير وهموم عصور سابقة.
2/ إنّ الاكتفاء بالطرح العام من خلال المنابر الدينية، لا يسدّ الحاجة، بل نحتاج إلى مؤسسات وبرامج للتوعية التخصصية، وتقديم الاستشارات والمعالجات، التي يُستفاد فيها من الكفاءات الأكاديمية المتخصصة.
3/ إذا كنّا نتحفظ ونرفض أساليب التعليم المبتذل للجنس كما يتم في بعض الدول الغربية، ضمن مراحل التعليم للفتيان والفتيات، فإنّ مناهج التعليم في البلاد الإسلامية، يجب أن تتبنى مادة للتأهيل للحياة الزوجية، ضمن الرؤية الدينية والمعطيات العلمية، وانعكاسات التطور الاجتماعي والثقافي.
4/ للأسرة دور مهم في تأهيل أبنائها وبناتها، لمستقبل الحياة الزوجية، عبر التوجيه والإرشاد، وأن تكون حياة الأبوين وسيرتهما في إدارة الأسرة نموذجًا يستلهم منه الأولاد، ويهتديان به في تشكيل حياتهم العائلية على مستوى المبادئ والقيم، وإن اختلفت الأساليب والوسائل.
5/ قبل إصدار أيّ وثيقة زواج، ينبغي أن يسبقها أخذ دورة تأهيلية لطرفي الزواج (رخصة قيادة الأسرة)، كما يحصل في بعض البلدان، كماليزيا وسنغافورة.
(ففي ماليزيا، مثلًا، فُرضت هذه الدورات على المقبلين على الزواج، وتستمر من 3 إلى 5 أيام، وتشمل مهارات التواصل، وإدارة الخلاف، وفهم الخصائص النفسية لكلّ طرف. النتيجة، تراجعت معدلات الطلاق بنسبة 18% خلال ثلاث سنوات.
أما في سنغافورة، فالمبادرة لم تقف عند حدود التدريب، بل رُبطت بحوافز إسكانية وتمويلية للأزواج الذين يُكملون البرامج التأهيلية، مما أسهم في تعزيز استقرار العلاقات الزوجية بنسبة 25%، وقد انخفضت نسبة الطلاق هناك من 32% إلى 7%)[1] .
وفي وطننا المملكة تعقد الجمعيات والمراكز التي تعنى بالشأن الأسري دورات تدريبية للمقبلين على الزواج، لكنها اختيارية وليست إلزامية.
وينبغي تضافر الجهود، لتحفيز المقبلين على الزواج للالتحاق بهذه البرامج، ودعم الجهات القائمة عليها لتطوير مستوى أدائها، ونأمل أن تتخذ الدولة قرارًا بالإلزام ببرنامج تأهيلي قبل إصدار وثيقة الزواج.
6/ من المهم جدًّا تشجيع المقبلين على الزواج للاهتمام بالتثقيف الذاتي، عبر مطالعة الكتب المعتمدة من قبل المؤسسات التخصصية في شؤون الحياة الزوجية والأسرية.
قد يقول البعض إنّ هذه التوصيات بالتأهيل والإعداد، قد لا تشكّل ضمانًا للنجاح عند تحققها في إدارة الحياة الزوجية، فقد تحدث حالات فشل لمن مرّ بمثل هذه البرامج.
ومن الواضح أنّ هذا الاحتمال وارد في جميع مجالات الحياة الاجتماعية، لكن ما تعتمده المجتمعات من برامج تأهيلية في مختلف المجالات، يرفع بالتأكيد نسبة احتمالات النجاح، ويقلل حالات الفشل، وهذا هو المطلوب.






