الشيخ الصفار يدعو لتمحيص المعلومات فالتسطيح المعرفي خطر كبير
أكد سماحة الشيخ حسن الصفار أن التحدي الأكبر الذي يواجه الإنسان في عصرنا الحاضر ليس نقص المعلومات، بل كيفية التعامل معها بوعيٍ وتمحيص.
ودعا إلى الانتقال من مجرّد نقل الأخبار وروايتها إلى رعايتها وفهمها وتعقّلها.
جاء ذلك في كلمةٍ ألقاها سماحته في منزل السيد أحمد الغافلي بسيهات، مساء الجمعة العاشر من شهر رمضان لعام 1447هـ الموافق 27 فبراير 2026م.
وانطلق الشيخ الصفار في حديثه من وصيةٍ لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: «اعْقِلُوا الْخَبَرَ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ، لَا عَقْلَ رِوَايَةٍ، فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ».
وتابع: إن هذه الكلمة تمثل منهجًا معرفيًا متكاملًا ينبغي أن يحكم تعامل الإنسان مع مختلف قضايا الفكر والمعرفة، سواء في النصوص الدينية، أو في الأحداث التاريخية، أو في الأخبار والمعلومات المتداولة.
وأشار إلى أن العالم اليوم يشهد انفجارًا معرفيًا غير مسبوق، حيث أصبحت وسائل المعرفة متاحة على نطاق واسع عبر الأجهزة الإلكترونية، وأضحى الإنسان يتلقّى يوميًا طوفانًا من المعلومات والآراء، ما يفرض عليه تحديًا حقيقيًا في التمحيص والتنقيح والتثبّت.
ولفت إلى أن هذه الظاهرة دفعت جهات دولية، ومنها الأمم المتحدة، إلى إطلاق مبادرات تعزّز ما يُعرف بـ«الدراية المعرفية»، تأكيدًا على أهمية التحقق من المعلومات ومصادرها.
وبيّن سماحته أن الإنسان المعاصر يعاني من مشكلتين أساسيتين هما: الغثاء والكثرة التي تستنزف الوقت وتُشتّت التركيز. وصعوبة تمحيص المعلومات والتحقق منها، وسط زحام المحتوى المتضارب.
وأوضح أن هذا الواقع أسهم في تسطيح المعرفة في مجالاتٍ متعددة، دينية وسياسية وثقافية واجتماعية، حيث تراجعت ثقافة البحث العميق والقراءة المتأنية، وحلّت محلها “الوجبات السريعة” من المعلومات، التي تُستهلك بلا تأمل ولا مراجعة.
وفي سياق حديثه عن شهر رمضان المبارك، شدّد الشيخ الصفار على أهمية تدبّر القرآن الكريم وعدم الاقتصار على القراءة الشكلية.
واستشهد بقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، وقوله سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.
وتابع: إن فهم آيةٍ واحدة بوعيٍ أعمق خيرٌ من قراءة عددٍ كبير من الآيات دون إدراكٍ لمعانيها.
ودعا إلى التأمل في الأدعية الرمضانية، كدعاء الافتتاح وأدعية الأيام، وعدم الاكتفاء بتكرار العبارات دون فهم مضامينها، مشيرًا إلى أن أثر الدعاء في النفس يزداد عمقًا كلما ازداد فهم الإنسان لمعانيه.
وتطرّق إلى خطورة تداول الأخبار دون التثبّت من سياقاتها الزمنية والموضوعية، مبينًا أن إعادة نشر نصٍّ أو محاضرةٍ قيلت في ظرفٍ معين قد يُفضي إلى فهمٍ مغاير إذا جُرّدت من سياقها، مؤكّدًا أن معرفة الزمان والحدث جزءٌ من فهم المعنى.
وأشار إلى أن اختلاف القراءات والتفسيرات للنصوص أمرٌ طبيعي ومشروع، وقد أدّى عبر التاريخ إلى تعدد الاجتهادات والمدارس الفكرية، إلا أن ذلك لا يُعفي الإنسان من مسؤولية التثبّت، وترجيح ما يراه أقرب إلى الصواب بعقله وتفكيره.
وختم الشيخ الصفار كلمته بالشكر الجزيل للسيد أحمد الغافلي على إتاحة هذه الفرصة لعقد اللقاء، سائلًا الله تعالى أن يعيد مثل هذه الليالي على الجميع في خيرٍ وصحةٍ وأفضل حال، وأن يكتب الخير لأمة الإسلام في ظل ما تشهده من تحديات ومتغيرات.











