الشيخ الصفار: التحيّز في تقويم الآخرين يهدد القيم الأخلاقية ويمزق العلاقات الاجتماعية

 

قال سماحة الشيخ حسن الصفار إن كثيرًا من الأزمات الاجتماعية والفكرية تنشأ من الأحكام المتحيزة التي يصدرها الناس بدافع العاطفة أو العصبية أو المصالح الخاصة، بعيدًا عن الحق والعدل.

وتابع: الإنسان مسؤول أمام الله تعالى عن كلماته كما هو مسؤول عن أفعاله، وأن الانحراف في القول قد يكون أخطر من كثير من الأخطاء العملية، لأنه يهدم السمعة ويزرع الأحقاد ويفسد العلاقات.

جاء ذلك ضمن خطبة الجمعة 21 ذو القعدة 1447هـ الموافق 8 مايو 2026م، في مسجد الرسالة بالقطيف شرقي السعودية بعنوان: التحيّز في تقويم الآخرين.

وأوضح سماحته أن حديث الإنسان عن الآخرين، سواء كان مدحًا أو ذمًا، يمثل مسؤولية أخلاقية ودينية كبيرة، لأن الكلمة قد ترفع إنسانًا بغير حق، وقد تظلم آخر وتسلبه مكانته وحقوقه المعنوية.

وتابع: إن من الخطأ أن يكون معيار التقويم قائمًا على القرابة أو الانتماء أو العلاقة الشخصية، بحيث يُمنح القريب أو الموافق فكريًا صكوك التزكية المطلقة، بينما يُجحف بحق المخالف أو المختلف.

وأكد أن القرآن الكريم وضع قاعدة أخلاقية عظيمة تضبط هذا السلوك، في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ.

وأضاف: إن حالة التحيز ليست مجرد خطأ أخلاقي عابر، بل هي نوع من الظلم الذي نهى الله تعالى عنه، لأنها تؤدي إلى تشويه الحقيقة وإفساد ميزان العدالة داخل المجتمع.

واستشهد بما ورد عن أمير المؤمنين علي : «قلما ينصف اللسان في نشر قبيح أو إحسان»، في إشارة إلى صعوبة تحرر الإنسان من ميوله العاطفية عند الحديث عن الآخرين.

وتطرّق الشيخ الصفار إلى ظاهرة العصبية القبلية التي كانت سائدة في المجتمع الجاهلي، حيث كان الولاء للقبيلة يتقدم على الحقيقة والعدل، موضحًا أن الفرد آنذاك كان يرى قومه أفضل من غيرهم مهما كانت أخطاء قومه أو مزايا الآخرين.

واستشهد في هذا السياق بقصة الرجل الذي جاء إلى مسيلمة الكذاب، وتبين له كذبه لكنه فضّله بدافع الانتماء القبلي، قائلاً: «كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر».

وأوضح الشيخ الصفار أن الإسلام جاء ليهدم هذه العقلية الجاهلية، ويؤسس مجتمعًا يقوم على القيم لا العصبيات، وعلى العدل لا الأهواء.

وأبان أن الإسلام لا يرفض محبة الإنسان لقومه وأهله، لكنه يرفض أن تتحول هذه المحبة إلى غطاء للظلم أو وسيلة لتبرير الأخطاء والتعدي على حقوق الآخرين.

مستشهدا بما ورد عن الإمام زين العابدين : «العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيرًا من خيار قوم آخرين».

وأشار سماحته إلى أن التحيّز لا يقتصر على المجتمعات التقليدية، بل يتكرر اليوم في صور متعددة داخل الحياة الاجتماعية والثقافية والإدارية.

وتابع: قد ينحاز بعض الناس في تقييم المقالات والأفكار تبعًا لهوية الكاتب لا لمضمون الفكرة، فيمدحون الرأي إذا صدر ممن ينتمون إليهم، ثم يهاجمونه إذا اكتشفوا أنه صادر عن شخص من اتجاه مخالف.

وبيّن أن هذا السلوك يتكرر كذلك في بعض المؤسسات والدوائر الوظيفية، حين تتحكم العلاقات الشخصية والانتماءات في تقويم الموظفين، فيُمنح البعض امتيازات لا يستحقونها، بينما يُحرم آخرون من حقوقهم بسبب اختلاف القبيلة أو التوجه أو المزاج الشخصي، وهو ما يضرب مبدأ تكافؤ الفرص ويزرع الشعور بالظلم والإحباط داخل المجتمع.

وأشار إلى انعكاسات التحيز داخل الحياة الأسرية، موضحًا أن بعض الأزواج أو الزوجات، عند وقوع الخلافات، يتحولون إلى محاكم قاسية تنكر كل سنوات العشرة والإيجابيات السابقة، فلا يرون إلا الأخطاء والسلبيات.

وأكد أن التقوى الحقيقية تتجلى في قدرة الإنسان على أن يكون عادلًا مع من يحب ومع من يكره، ومع من يتفق معه ومن يختلف معه، لأن العدل في أوقات الخصومة أصعب وأصدق من العدل في أوقات الرضا.

واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ، موضحًا أن القرآن الكريم يجعل العدالة معيارًا ثابتًا لا يتأثر بالمشاعر والانفعالات.