الحج إعلان الطاعة لله
يقول تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [سورة الحج، الآية: 27].
تتجه القلوب وتشخص الأبصار، هذه الأيام، إلى رحاب البيت العتيق، مركز الإيمان والتوحيد.
حيث يتوافد ضيوف الرحمن إلى البقاع المقدسة ويبدؤون حجهم محرمين بالتلبية لله، هذا النشيد العبادي الذي تخفق له الأفئدة والمشاعر، وتهفو إليه الأسماع، «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ، وَالنِّعْمَةَ، لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ»[1] ، فلا ينعقد الإحرام إلا بهذه التلبية. ويستحب الإكثار من التلبية وتكرارها، على تفصيل مذكور في فقه المناسك.
التلبية شعار الحج
والتلبية هي شعار الحج، كما جاء في حديث عن رسول الله
أنه قال: «أَتَانِي جِبْرِيلُ
، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْمُرَ أَصْحَابَكَ أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ فَإِنَّهَا مِنْ شِعَارِ الْحَجِّ»[2] .
وورد عن أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ علي
«جَاءَ جَبْرَئِيلُ
إِلَى النَّبِيِّ
فَقَالَ لَهُ: إِنَّ التَّلْبِيَةَ شِعَارُ الْمُحْرِمِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالتَّلْبِيَةِ»[3] .
والتلبية لغة: إجابة المنادي، وحينما يحرم الحاج فإنه يجيب نداء الله تعالى ودعوته له لأداء مناسك الحج، تلك الدعوة والنداء الذان أطلقهما أبو الأنبياء نبي الله إبراهيم الخليل
بأمر الله تعالى له، بعد أن قام وولده إسماعيل
ببناء البيت الحرام، أو بالأحرى تجديد بناء البيت الحرام، لأنّ بناءه الأول كان على يد أبي البشر آدم
، لكنه اندثر وتهدم بسبب الطوفان الذي وقع في عهد النبي نوح
، فجاء تجديد بنائه على يد نبي الله إبراهيم
.
وبعد إكمال بناء البيت الحرام وتهيئته للعبادة، أمره الله تعالى بإطلاق نداء الدعوة إلى الحج.
يقول تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴿٢٦﴾ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [سورة الحج، الآيتان: 26-27].
وحينما يلبّي من أحرم بالعمرة أو الحج، فإنه يستحضر نداء الله تعالى ودعوته له، فهو يناديه ويدعوه، فيجيب «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ»، وهي الذكر الواجب الوحيد في الحج والعمرة، وسائر الأذكار والدعوات في مناسك العمرة والحج مستحبة.
ورد عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ [الإمام موسى الكاظم
] عَنِ التَّلْبِيَةِ وَعِلَّتِهَا فَقَالَ
: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا أَحْرَمُوا نَادَاهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: عِبَادِي وَإِمَائِي لَأُحَرِّمَنَّكُمْ عَلَى النَّارِ كَمَا أَحْرَمْتُمْ لِي: فَقَوْلُهُمْ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ إِجَابَةٌ لِله عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نِدَائِهِ لَهُمْ»[4] .
مضمون التلبية
إنّ أولياء الله الصالحين حينما يتلفظون بالتلبية، ينتابهم شيء من الخشية والرهبة، لأنهم يجدون أنفسهم في مقام التخاطب مع الله تعالى، والتعهد بالإجابة لأمره، فيخشون ألّا يكونوا في مستوى الإجابة الحقيقية والتعهد الصادق، فلا يقبل الله إجابتهم وتلبيتهم، أرأيتَ الأبَ أو القائدَ حينما ينادي أبناءه أو أتباعه، فيجيبه من هو غير راضٍ عنه، فيعرض عنه وينهره: لا أريدك ولا أعنيك؟
إنّ التلبية ليست مجرد لفظ، بل الشعور بأنك في مقام الإجابة، وأنك مستحق لمناداة الله لك، وأنّ إجابتك محلّ قبول منه.
لذلك ورد في سيرة عدد من أئمة أهل البيت
، كالإمام زين العابدين علي بن الحسين
[5] ، والإمام جعفر الصادق
[6] ، أنه كان كلما هم بالتلبية يرتعد وينقطع الصوت في حلقه، ويقول: «أَخْشَى أَنْ يَقُوْلَ لِي: لا لَبَّيكَ ولا سَعدَيكَ».
التلبية هي إعلان الطاعة لله تعالى، فجوهر الإيمان وحقيقة العبادة، أن يكون الإنسان مطيعًا لخالقه فيما يأمره به ويدعوه إليه، وفيما ينهاه عنه ويحرّمه عليه.
فالله تعالى هو الخالق المدبّر، وكلّ الكون خاضع ومطيع له، كما أنّ الجانب التكويني في الإنسان خاضع لله، فمجيئك للحياة وخروجك منها، وأمور خلقك ووجودك بيد الله تعالى. لكن قسمًا وجانبًا من حركتك وتصرفاتك تركت لاختيارك، من أجل اختبارك، هل تخضع فيها لله فتستحق ثوابه وجنته، أم تتمرد فتعرض نفسك لغضبه وعذابه؟
يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [سورة الحج، الآية: 18].
التربية على الطاعة لله
إنّ الدين يربّي الإنسان على الطاعة لله تعالى، وأن تتمحور حياته حول أمره ونهيه، وأوامر الله تصل إلى الإنسان عبر الرسل والأنبياء وأوصيائهم، وعبر العقل والوجدان، كما ورد عن الإمام موسى الكاظم
: «إن لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ: حُجَّةٌ ظَاهِرَةٌ وَحُجَّةٌ بَاطِنَةٌ. أمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ وَالأنْبِيَاءُ وَالأئِمَّةُ، وَأمَّا البَاطِنَةُ فَالعُقُولُ»[7] .
وقد تكرر الأمر بطاعة الله ورسله في عشرات الآيات من القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: 132].
وكيف لا يطيع الإنسان ربه وخالقه؟ وهو يعلم أنه لا يأمره إلّا بما هو خير له، ولا ينهاه إلّا عمّا يضرّه؟ إلّا إذا شك في ذلك، وظنّ أنّ الله يُصدر أوامر عبثية، أو أنه يغشه، أو أنّ هناك غرضًا ومصلحة لله فيما يأمر به، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
رحلة تدريب على الطاعة
الحج رحلة تدريبية على الالتزام بطاعة الله تعالى، تبدأ من الاستجابة لأداء الفريضة، وتلبية النداء الإلهي، وتحمّل أعباء هذه الرحلة، وقد تكون شاقةً، فيها تعب وعناء، وبذل جهد ومال، وقد كانت أصعب وأشدّ في أزمنة سابقة، إلّا أنّ المستجيبين لدعوة الله، يتحمّلون كلّ ذلك بشوق وإخلاص، ولا يكتفون بأداء الفرض الواجب، بل يسعون لتكرار الحج ما استطاعوا لذلك سبيلًا.
ونرى في هذه الأزمنة مدى حرص المسلمين من كلّ بقاع الأرض، وإقبالهم وتزاحمهم على الوفود إلى ضيافة الرحمن وحج بيت الله الحرام.
وتأتي التلبية لتعزيز وترسيخ روح الطاعة، فهي إعلان للالتزام بتلبية كلّ نداء وأمر من الله تعالى، فالتلبية يجب أن تكون شعار المسلم في كلّ حياته. فكلّ أمر لله تعالى يستقبله المسلم بقول: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ».
كما أنّ طبيعة مناسك الحج وأحكامها، تمثل تدريبًا على الطاعة لأيّ أمر إلهي، وإن كان مخالفًا لنظام حياة الإنسان وبرامجه المعتادة، حيث يطلب منه نزع المخيط من ملابسه، وارتداء قطعتي إحرام يتساوى فيها مع سائر الحجيج، وعليه أن يمتنع عن مجموعة من التصرفات كمحظورات للإحرام، وأن يطوف حول الكعبة بطريقة معينة، وعدد محدد من الأشواط، وكذلك السعي بين الصفا والمروة، وأن يتنقل بين عدة صحاري في عرفة ومنى ومزدلفة في أوقات محددة، ويجمع حصيات من الحجارة من مكان معيّن وبمواصفات معينة، ويرمي بها في مكان معين.
وهكذا سائر المناسك والأحكام، كلّها لتعزيز وترسيخ روح الطاعة لله تعالى.
استحضار سيرة إبراهيم الخليل
ويتجلى في مناسك الحج استيحاء واستحضار مشاهد من سيرة النبي إبراهيم
، التي تجسدت فيها قيمة الطاعة لله تعالى، بأعلى صورها، فقد ترك زوجته وابنه الصغير إسماعيل في صحراء قاحلة مجذبة، طاعة لأمر الله تعالى، لتكون نواة لمجتمع إنساني يحيي عبادة الله في أول بيت عبادي وضع للناس، كما يحكي عنه قوله تعالى: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [سورة إبراهيم، الآية: 37].
ويشير المسعى بين الصفا والمروة إلى سعي هاجر أم إسماعيل، للبحث عن ماءٍ يروي عطش ابنها الصغير، حتى تفجر لها الماء من بئر زمزم بأمر الله تعالى.
وحين رأى إبراهيم في المنام أنّ الله يأمره بذبح ابنه العزيز الوحيد آنذاك (إسماعيل)، الذي جاءه بعد كبر سنّ وطول انتظار، بادر لتنفيذ ذلك الأمر الشاق البالغ الصعوبة، دون أيّ تردد، واستجاب الولد الشاب اليافع بإخلاص ويقين لإطاعة الله تعالى في أمر ذبحه.
يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة الصافات، الآية: 102].
واعترضه الشيطان ثلاث مرات عند العقبات الثلاث، ليصرفه عن تنفيذ أمر الله وطاعته، فواجهه برفض عنيف ورماه بالحجارة، ومنه استُوحي نسكُ رمي الجمرات في ذات المكان.
وعلى الحاج أن يتأمل مناسك حجه ليستلهم منها ويتدرب من خلالها، وألّا ينشغل بالتعب والعناء وملاحظة الأمور الهامشية على حساب المعاني والمضامين.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المستجيبين له في أوامره، وأن يرزقنا حج بيته الحرام، وأن يُيسر للحجيج أداء نسكهم في يسر وعافية وأمن وسلام، وأن يعيدهم إلى أوطانهم وأهاليهم سالمين غانمين، وأن يشركنا في صالح أعمالهم ودعواتهم، وأن يوفق قادة البلاد والمسؤولين لخدمة ضيوف الرحمن، إنه وليُّ الإجابة والتوفيق.
مصادر الخطبة:
- الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح الجامع الصغير وزياداته، المكتب الإسلامي، بيروت، ط3، 1408هـ.
- الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط3، 1405هـ.
- الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ط2، 1413هـ.
- الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.
- المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، دار إحياء التراث، بيروت، ط2.






