حديث القيم والقدوات حاجة إنسانية

 

يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ ‎*‏ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ‎*‏ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ ‎*‏ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ الْأَخْيَارِ [سورة ص، 45-48]

إنّ الحديث عن القيم والقدوات ليس ترفًا فكريًا ولا خطابًا وعظيًا عابرًا، بل يمثل حاجة إنسانية مستمرة، لأنّ القيم الإيمانية والأخلاقية هي التي تمنح معنى وقيمة لوجود الإنسان، وتصنع المائز بينه وبين بقية المخلوقات، وتخرجه من دائرة العبث والضياع إلى دائرة الوعي والمسؤولية.

والالتزام بهذه القيم يبعث الاطمئنان في نفس الإنسان، ويساعده على حسن إدارة حياته والتعايش مع أبناء جنسه.

الإيمان وهدفية الحياة

فإذا آمن بالمبدأ والمعاد، وأنّ وجوده في الحياة ليس صدفة، أدرك أنّ لوجوده غاية وهدفًا، وأنه مسؤول عن أفعاله، وحينئذٍ فإنّ نظرته لنفسه ولمحيطه تختلف جذريًا، ومن دون ذلك يشعر بالتيه والضياع والاضطراب.

ولنفرض أنّ شخصين وجدا نفسيهما في بلد، أحدهما يعرف الجهة التي جاءت به إلى ذلك البلد لإنجاز مهام محددة، ووضعت له برنامجًا لرحلته، وسيرجع إليها مع كشف حساب وتقرير مفصّل عن هذه الرحلة، ليكافأ على إنجازه ويحاسب على تقصيره. هنا سيتحرك برؤية واضحة وشعور بالمسؤولية.

والآخر لا يدري من جاء به في رحلته، ولماذا؟ وما هو البرنامج؟ وما المطلوب منه؟ فهذا سيشعر بالفراغ والقلق والاضطراب، وتصبح حركته من وحي انفعالاته ورغباته الآنية، ويستجيب لمختلف المؤثرات، فتتحول حياته إلى سلسلة من الاستجابات اللحظية والانفعالات العابرة. إنّ ذلك هو واقع من يحرم نفسه من الإيمان والارتباط بالله تعالى، ولعلّ شاعر المهجر اللبناني إيليا أبو ماضي (توفي: 1957م) يعبّر عن هذه الحالة من القلق الوجودي، في بداية طلاسمه فيقول:

جئت لا أعلم من أين ولكني أتيتُ

ولقد أبصرت قدامي طريقًا فمشيتُ

وسأبقى سائرًا إن شئت هذا أم أبيتُ

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لستُ أدري

أجديدٌ أم قديم أنا في هذا الوجود

هل أنا حرٌّ طليق أم أسير في قيود

هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود

أتمنى أنني أدري، ولكن لستُ أدري[1] 

إنّ الإيمان يقدم الإجابة التي تنقل الإنسان من القلق إلى السكينة والاطمئنان، ومن الحيرة والتردد إلى الاستقرار والثبات.

القيم والاستقرار الاجتماعي

وحين يؤمن الإنسان ويلتزم بالقيم الأخلاقية، كالعدل والإحسان والصدق والأمانة والوفاء، فإنه سيعيش حياة اجتماعية مستقرة.

وهذه القيم ليست معاني طارئة يصنعها المجتمع لتنظيم شؤونه، بل هي ممتدة في الفطرة الإنسانية، ومتجذرة في الوجدان، لكنّ غلبة النزعة الأنانية في ذات الإنسان، وقوة الرغبات والانفعالات في نفسه، أو تأثيرات البيئة المحيطة به، قد تنسيه تلك القيم وتصرفه عنها، فيحتاج إلى التذكير بها، والتحفيز على الالتزام بها في مسيرة حياته.

التذكير بالقيم

والرسالات الإلهية إنما جاءت لهذا الغرض، تذكير الإنسان بالقيم الإيمانية والأخلاقية، وتقديم النماذج والقدوات التي تحفّزه لتمثّل تلك القيم والالتزام بها. وتلك القدوات هم الأنبياء والأوصياء الذين جسدوا القيم في حياتهم، ليدرك الإنسان أنّ الالتزام بالقيم أمر ممكن وقابل للتحقق، وليس مثالًا خياليًا بعيدًا عن واقع الحياة.

إنّ التذكير بالقيم واستحضار القدوات المجسدة لها، حاجة ملحّة دائمة للمجتمع الإنساني، في كلّ العصور والظروف، وأيّ تقصير في ترسيخ القيم أو تقديم القدوات، ستكون له آثار خطيرة تتجاوز الجانب الفردي، لتنعكس على العلاقات الأسرية والتماسك الاجتماعي والوعي العام، وتهدّد المجتمعات بالانهيار عندما تتراجع منظومتها الأخلاقية.

وقال أحمد شوقي:

إنَّمَا الأُمَمُ الأخلاقُ ما بَقِيَتْ             فَإنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخلاقُهُمْ ذَهَبُوا

الأزمة الأخلاقية العالمية المعاصرة

وتشتدّ حاجة المجتمعات الإنسانية في هذا العصر، للحديث عن القيم والقدوات القيمية، لأنّ الحضارة المادية السائدة، رغم ما حققته من تقدم تقني ومعرفي، إلّا أنها بهيمنتها الإعلامية الثقافية أضعفت الروح القيمية، وغلّبت النزعة الأنانية في النفوس، عبر تكريس الفردانية وتحفيز الاستهلاك، وإنتهاج إثارة الرغبات، وتحريض الشهوات، دون أية حدود أو ضوابط، حتى في أوساط الأطفال القصّر والناشئين، مما عرّض المجتمعات الإنسانية لدمار أخلاقي خطير.

حتى إنّ بعض الحكومات الغربية اضطرت لاتخاذ إجراءات تحدّ من استهداف الأطفال بالبرامج الإباحية المفسدة.

في كلمة ألقاها خلال أسبوع لندن للتكنولوجيا يوم الإثنين 8 يونيو 2026م، قال رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر: "أدعو اليوم شركات التكنولوجيا العاملة في هذا البلد إلى إدخال ضوابط على الأجهزة تمنع الأطفال من إرسال صور جنسية فاضحة واستقبالها... مواجهة هذا التحدي ليست أمرًا مستحيلًا".

وذكرت صحيفة "تايمز" Times أنّ ستارمر يسعى أيضًا لإعلان حظر بعض منصات التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عامًا.

وقالت الحكومة إنه في حال عدم إقدام الشركات على اتخاذ الإجراءات اللازمة لحلّ هذه المشكلة في غضون ثلاثة أشهر، فستقدم تشريعًا لإجبارها على فعل ذلك، أو ستفرض على الشركات غرامات، أو ستقدم مديريها للمساءلة الجنائية كإجراء أخير[2] .

إنّ حماية الإنسان لا تتحقق بالتقدم المادي وحده، وإنما تحتاج إلى بناء أخلاقي متين.

النهج القرآني

إنّ حديث القيم والقدوات يجب أن يكون برنامجًا دائمًا على الصعيد الفردي والعائلي والاجتماعي.

لذلك نجد أنّ القرآن الكريم يؤكد في آياته على التذكير بالقيم، وعلى استحضار شخصيات الأنبياء والأولياء المجسدين لتلك القيم.

لأنّ القرآن الكريم لا يقدّم العقيدة والقيم الأخلاقية بوصفها مفاهيم مجردة، وإنما يربطها بسير أشخاص ونماذج جسدوا تلك المبادئ في حياتهم، ليبقى الإنسان قادرًا على رؤية القيم وهي تتحرك على الأرض واقعًا وتجربةً.

فقد عرض القرآن الكريم مشاهد كثيرة عن حياة الأنبياء والأولياء للاقتداء بهم، ولأخذ العبر والدروس من سيرهم، كما أكد القرآن الكريم على أهمية ذكر شخصيات الأنبياء واستحضار صفاتهم ومواقفهم، ومنها قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ ‎*‏ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ‎*‏ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ ‎*‏ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ الْأَخْيَارِ [سورة ص، الآيات: 45-48].

عاشوراء موسم فريد

وعلى هدي هذا النهج القرآني، يأتي اهتمامنا واحتفاؤنا بسير أئمة الهدى من أهل البيت ، خاصة ذكرى عاشوراء الإمام الحسين ، هذه المناسبة التي حث أئمة أهل البيت على إحيائها واستذكارها، فأصبحت عند أتباعهم موسمًا دينيًا ثقافيًا اجتماعيًا لا نظير له في المجتمعات الإنسانية، بوصفه مساحة كبرى لإحياء القيم وتجديد الوعي الديني.

ورد عن الإمام جعفر الصادق أنه قال للفضيل بن يسار: «يَا فُضَيْلُ، تَجْلِسُونَ وَتَتَحَدَّثُونَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ : إِنَّ تِلْكَ اَلْمَجَالِسَ أُحِبُّهَا، فَأَحْيُوا أَمْرَنَا فَرَحِمَ الله مَنْ أَحْيَا أَمْرَنَا»[3] .

وفي رواية أخرى عنه : «تَزَاوَرُوا وَتَلَاقَوْا وَتَذَاكَرُوا أَمْرَنَا وَأَحْيُوهُ»[4] .

إنّ إحياء ذكرى الإمام الحسين ليس مجرد تقليد تاريخي أو فلكلور اجتماعي، بل هو مشروع ثقافي روحي اجتماعي متجدد يعيد استحضار معاني التضحية والعدالة والكرامة والإصلاح.

إنه موسم لتعزيز الولاء الديني وترسيخ القيم الإيمانية والأخلاقية، واستحضار النماذج والقدوات من أهل البيت وأبطال الثورة الحسينية الملهمة، لإحياء القيم الإيمانية والأخلاقية في النفوس، وتعزيز الارتباط بقيادات الرسالية القيمية المتمثلة في النبي وعترته الطاهرة وأصحابهم الأخيار.

وعلينا الاستعداد لهذا الموسم والمشاركة في برامجه والاستفادة من بركاته، اللهم اكتبنا من خدمة الإمام الحسين، واحشرنا مع الحسين وأصحابه يوم القيامة.

مصادر الخطبة:
  1. أبو ماضي، إيليا: الأعمال الشعرية الكاملة، مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، الكويت، 2008م.
  2. الحر العاملي، الشيخ محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، بيروت، ط1، 1412هـ.
  3. العربية نت.
  4. الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.

 

 

خطبة الجمعة 26 ذو الحجة 1447هـ 12يونيو 2026م.

[1]  إيليا أبو ماضي، الأعمال الشعرية الكاملة، ص649.
[2]  العربية نت، 8 يونيو 2026م https://ara.tv/d8akl
[3]  وسائل الشيعة، ج14، ص501، ح2.
[4]  الكافي، ج2، ص175، ح1.