الشيخ الصفار: على الأسرة أن تهتم بأخلاق أبنائها كما تهتم بصحتهم وتعليمهم
قال سماحة الشيخ حسن الصفار: إن الإنسان يحتاج إلى تربية مستمرة تهذب نفسه، وتنمي نوازع الخير في داخله، حتى يتمكن من ضبط أنانيته، والتعامل بإيجابية مع الآخرين، وهذه هي الرسالة الجوهرية للأخلاق.
وأضاف: إن رسالة الدين تتمحور حول تزكية النفس وبناء الشخصية الأخلاقية، وعلى الأسر أن تهتم بأخلاق أبنائها كما تهتم بصحتهم وتعليمهم.
جاء ذلك ضمن خطبة الجمعة 17 صفر 1448هـ الموافق 31 يوليو 2026م، في مسجد الرسالة بالقطيف شرقي السعودية بعنوان: البناء الأخلاقي لشخصية الإنسان.
وأوضح سماحته أن المجتمعات الإنسانية المعاصرة حققت إنجازات كبيرة في مجالات الصحة والتعليم والتنمية الاقتصادية، إلا أن هذه المنجزات تبقى ناقصة إذا لم يصاحبها اهتمام جاد ببناء الإنسان أخلاقيًا.
وتابع: إن الأخلاق هي الضمان الحقيقي لاستثمار كل ما يملكه الإنسان من علم وصحة ومال في خدمة نفسه ومجتمعه.
وأضاف: هذه التطورات تمثل مكاسب حضارية كبيرة، مع الاعتراف بأن بعض المجتمعات لا تزال تعاني من التخلف والحرمان بسبب الظلم والفساد وسوء الإدارة.
ومضى يقول: هناك مجال مهم وبعد أساس في بناء مستقبل حياة الإنسان، لم يلق الاهتمام المطلوب، وهو البناء الأخلاقي لشخصية الإنسان، فهو كائن تصطرع في داخله نوازع الخير ونوازع الشر، وحين تسيطر عليه نوازع الشر يدمر حياته وحياة من حوله.
وأبان أن الصحة والتعليم والمال تمثل ركائز مهمة في حياة الإنسان، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة السعادة أو حماية المجتمع من الانحراف.
وتابع: لا شك أن الرعاية الصحية، والدراسة التعليمية، والكسب الاقتصادي أمور أساسية لبناء مستقبل حياة الإنسان، لكن انعدام وضعف الوازع الأخلاقي قد يبدد ويضيّع كل مكاسب الإنسان في الحياة.
وأضاف: إن غياب الضمير الأخلاقي قد يدفع الإنسان إلى الإدمان، أو الانتحار، أو الظلم، أو خيانة الوطن، أو الإساءة إلى أسرته ومجتمعه، مبينًا أن امتلاك الإنسان للعلم أو المال لا يمنع سقوطه إذا افتقد القيم.
ولفت إلى أن الواقع يقدم شواهد كثيرة على ذلك، حيث يتورط بعض أصحاب المناصب والإمكانات في قضايا فساد ورشوة واستغلال للسلطة، رغم ما يمتلكونه من مؤهلات علمية ووظيفية، وهو ما يدل على أن المشكلة ليست في نقص الإمكانات، وإنما في غياب الوازع الأخلاقي.
وتابع: إن ما تعلنه هيئة الرقابة ومكافحة الفساد «نزاهة» في السعودية، من وقت لآخر يؤكد أن الإنسان قد يمتلك كل أسباب النجاح المادي، لكنه يخسر نفسه عندما تغيب الأخلاق.
وأشار إلى أن النصوص الإسلامية أولت الجانب الأخلاقي مساحة واسعة، لأن صلاح الفرد والمجتمع يبدأ من تهذيب النفس.
واستشهد بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾، وبما ورد عن رسول الله
: «نَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ».
الإمام الرضا مدرسة الأخلاق
وبمناسبة ذكرى وفاة الإمام علي بن موسى الرضا
، تناول الشيخ الصفار جانبًا من سيرته المباركة، مؤكدًا أن الإمام الرضا جسّد الأخلاق الإسلامية في أقواله وأفعاله.
وقال: إن الرسالات السماوية جاءت لتزكية النفوس قبل أي شيء آخر، وأن أعظم ما يستفيده المؤمن من إحياء مناسبات أهل البيت
هو الاقتداء بأخلاقهم وسلوكهم.
وأشار إلى ما رواه الإمام الرضا عن آبائه عن رسول الله
: «عَلَيْكُمْ بِحُسْنِ اَلْخُلُقِ فَإِنَّ حُسْنَ اَلْخُلُقِ فِي اَلْجَنَّةِ لاَ مَحَالَةَ، وَإِيَّاكُمْ وَسُوءَ اَلْخُلُقِ فَإِنَّ سُوءَ اَلْخُلُقِ فِي اَلنَّارِ لاَ مَحَالَةَ».
وبيّن أن الإمام الرضا
لم يكن يكتفي بالدعوة إلى الأخلاق، بل كان نموذجًا عمليًا لها، مستشهدًا بما رواه إبراهيم بن العباس، الذي رافق الإمام
، من أنه لم يره يسيء إلى أحد، أو يقاطع متحدثًا، أو يرد صاحب حاجة، وكان يكثر من الصدقة والإحسان في السر.
مسؤولية الأسرة والمجتمع
ودعا إلى أن يكون إحياء ذكرى الإمام الرضا
وسائر الأئمة
مناسبة لمراجعة السلوك الشخصي، والعمل على تهذيب النفس، مؤكدًا أن الاقتداء بأخلاقهم هو أفضل صور الوفاء لهم.
كما شدد على أهمية أن تمنح الأسر التربية الأخلاقية لأبنائها القدر نفسه من الاهتمام الذي تمنحه لصحتهم وتعليمهم، داعيًا إلى الحوار مع الأبناء حول القيم، وتشجيعهم على تزكية النفس، والانخراط في البيئات الإيمانية الصالحة.
ولفت إلى أن مسؤولية البناء الأخلاقي لا تقتصر على الأسرة وحدها، بل تشمل مختلف مؤسسات المجتمع وأفراده.
ودعا الجميع إلى أن يكونوا دعاة للخير والإصلاح من خلال سلوكهم الحسن وكلماتهم الهادفة، لأن المجتمعات لا تحفظ مكتسباتها الحضارية إلا إذا اقترنت بالتربية الأخلاقية التي تصنع الإنسان الصالح وتحمي الأوطان من الفساد والانحراف.






