من الغدير إلى مجتمع المبادرات

 

يتلخص حديث الغدير الذي نحتفي به اليوم، في أنّ رسول الله أوقف موكب الحجيج عند منصرفهم من الحج، بعد أن حجوا معه حجة الوداع، وكان ذلك الموكب يتكون من عشرات الألوف. أوقفهم عند غدير خم، وكانت الشمس في أشدّ حرارتها، وأمر أن يُصنع له منبر من أحداج الإبل، ثم قام أمام هذا الجمع الكبير، آخذًا بيد علي بن أبي طالب .

وسألهم: «أَلَسْتُ أَوْلَى بِكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ؟». قالوا: بلى. وكررها عليهم عدة مرات، فأقروا بذلك أمامه، وحينها قال كلمته المشهورة: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ والِ مَنْ وَالَاهُ، وعادِ مَنْ عَادَاهُ، وَاُنْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَاُخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ».

هذا الحديث بهذه الصيغة أو صيغ مقاربة، لا يناقش في صحته أحدٌ من المسلمين بمختلف مذاهبهم؛ فجميع العلماء والمحدثين ورواة الأحاديث وكتب التاريخ تثبت هذه الواقعة وهذا الحدث.

ورحمة الله على العلامة الكبير الشيخ عبد الحسين الأميني (1320-1390هـ)، الذي دوّن موسوعته الخالدة «الغدير»، وجمع فيها كلّ ما يرتبط بهذا الحدث من التاريخ، وتفسير آيات القرآن، والأحاديث، والأدب، فكانت في عدة مجلدات، طُبع منها أحد عشر مجلدًا.

لسنا بحاجة إلى المناقشة في وقوع هذا الحدث، فهو أمر مسلّم به، غير أنّ النقاش دار حول مؤداه ومعناه. فقسم من المسلمين رأوا فيه تأكيدًا على محبة علي ومكانته، للرد على بعض الشائعات التي كانت تستهدف شخصيته، أما أئمة أهل البيت ، وهم الثقل الآخر للقرآن، والأعرف بمضامين الوحي والرسالة، هم وأتباعهم من شيعتهم، رأوا أنّ هذا الحديث يدلّ دلالة واضحة على أنّ عليًا هو الامتداد لقيادة الأمة بعد رسول الله ، ورأوا فيه تتويجًا لعشرات النصوص الأخرى، فهذا النص ليس أول نصٍّ ولا النص الوحيد، بل هناك عشرات، إن لم تكن مئات النصوص النبوية في هذا الاتجاه. وقد نُقل عن أحمد بن حنبل قوله: «مَا لِأَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنَ الْفَضَائِلِ بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ مِثْلُ مَا لِعَلِيٍّ»[1] .

لكنّ الغدير كان الإعلان الأوضح أمام هذا الجمع الكبير، والمشهد الواسع من المسلمين، وهو يدلّ - بحسب هذا الفهم – على أنّ عليًا هو الذي يملأ الفراغ القيادي بعد رسول الله .

وأمير المؤمنين علي هو الأجدر بحمل هذه المسؤولية، لما تميّز به من الكفاءة والعلم والجهاد والقرب من رسول الله .

لكنّ الأمة لم تأخذ بهذه الوصية من رسول الله ، لسيادة فهم آخر واتجاه آخر، ولم يأخذ هذا النص النبوي طريقه إلى التطبيق في واقع الأمة.

ومع ذلك، تحمل الإمام علي مسؤوليته تجاه الأمة والرسالة، فلم يشأ أن يتصرف تصرفًا يؤدي إلى زلزلة كيان الأمة أو تفجير واقعها. وما كانت تنقصه الشجاعة ولا البطولة، كان يمكنه أن يدافع عن حقه بالقوة، إلّا أنه رأى أنّ لذلك أثرًا سيئًا على كيان الإسلام وواقع الأمة في تلك الظروف.

من هنا قرر أن يغضّ الطرف، ولكن هل انعزل؟

وهل تخلى عن تحمل المسؤولية؟

كلّا.

إنما استوعب الواقع الذي آلت إليه الأمة، وحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، والاستمرار في تبيين معالم الدين والشريعة، والدفاع عن مصالح الرسالة والأمة.

لذلك لم يكن بعيدًا عن مجريات الأمور، بل كان ناصحًا ومستشارًا، يعطي رأيه حينما تعصف بالأمة الخطوب وتعجز العقول. حيث كانوا يلجؤون إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وقد كرر الخليفة عمر قوله: (أعوذُ بِاللّهِ أن أعيشَ في قَومٍ لَستَ فيهِم يا أبَا الحَسَنِ)[2] ، و (لا أبقانِيَ اللّه ُلِمُعضِلَةٍ لَيسَ لَها أبو حَسَنٍ)[3] . وقد حفظ التاريخ عشرات المواقف من هذا القبيل.

إنّ عليًا لم يكن يتصرف بدافع الانفعالات الشخصية، ولا انطلاقًا من المصالح الخاصة، إنما كان يتصرف وفق مصلحة الدين والأمة.

وهذا هو تاريخ الإمام علي ؛ فمنذ أيامه الأولى لم يكن أحدٌ أسبق منه في الدفاع عن الدين، ولا في تحمل المسؤولية تجاهه.

فهو أول الناس إسلامًا، وكما ورد في الحديث عن رسول الله : «أَوَّلُكُمْ وَارِدًا عَلَيَّ الْحَوْضِ، أَوَّلُكُمْ إِسْلامًا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ»[4] .

وفي يوم الإنذار، حينما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [سورة الشعراء، الآية: 214]، جمع النبي بني عبد المطلب، وكانوا أربعين شخصًا ينقصون أو يزيدون، وطرح عليهم دعوته وخاطبهم: «من منكم يؤازرني، فيكون أخي ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي؟».

فصمتوا كلهم، ولم يقم إلّا علي، وكان أصغرهم سنًا. فأجلسه النبي مرة ومرتين، لكن لم يقم منهم أحد سواه، وحينئذٍ قال كلمته الصريحة: «إنَّ هذا أخي ووَصِيّي وخَليفَتي فيكُم، فَاسمَعوا لَهُ وأطيعوا»[5] .

وفي واقعة الخندق، حينما خرج عمرو بن عبد ودّ وهو يطلب مبارزًا، لم يقم أحد إلّا علي؛ أجلسه النبي عدة مرات، لكن لم ينهض سواه، فقلّده رسول الله سيفه، وبرز، والنبي يشيعه قائلًا: «بَرَزَ الإِيمانُ كُلُّهُ إلَى الشِّركِ كُلِّهِ»[6] .

وهكذا، في جميع المواقف، كان علي هو المبادر، وهو الذي يتحمل مسؤولية الدين والأمة؛ وهو الموقف المتوقع منه .

وحينما نحتفي بهذه الذكرى، علينا أن نستحضر هذه القيمة؛ قيمة المبادرة وتحمل المسؤولية تجاه الدين وتجاه المجتمع.

أتباع الإمام علي وتلامذته وشيعته، هم الأجدر بالاقتداء به، وبتقمّص صفاته، ومن أهم صفاته تحمّل المسؤولية تجاه الدين والأمة، وروح المبادرة في كلّ ما يخدم الدين ويخدم المجتمع.

إننا مطالبون، أيها الأعزاء، بأن نتلمس مشكلات وحاجات مجتمعنا، وأن نبادر لمعالجة هذه المشكلات والحاجات.

أما روح التواكل، واعتماد كلّ جهة على الأخرى، فهي روح يرفضها الدين والعقل السليم.

نحن في حاجة ملحّةٍ لقيام مجتمع المبادرات، فكلّ فرد عليه أن يبادر. والمبادرة تنبثق من وعي الإنسان وثقته بذاته، وتحمله لمسؤوليته، واستعداده للتضحية والعطاء في خدمة الدين والمجتمع.

وفي كلّ المجالات نحن بحاجة إلى مبادرات، إلّا أنني أكتفي بذكر مجالٍ واحدٍ من المجالات التي أدعو إلى الاهتمام بها في ظلّ الظروف والتحولات الحاضرة في مجتمعاتنا، وهو البعد الأسري.

فالأسرة في هذا العصر، في مجتمعاتنا، تتعرض لتحدّيات قيمية وأخلاقية كبيرة. ولا يكفي أن نتحدث في المجالس عن تصاعد أرقام الطلاق وعن كثرة المشكلات، وعن مصاعب الزواج، وعن العزوف عن الزواج والإنجاب؛ فمجرد الحديث في المجالس لا يكفي.

نحتاج إلى مبادرات، وإلى مؤسسات تُعنى بالشأن الأسري. وقد تكونت بعض المؤسسات في مجتمعنا، غير أنها لا تزال قليلة، ولا تزال إمكاناتها دون مستوى التحدي الكبير.

إنني أدعو، خاصة ونحن على أعتاب موسم عاشوراء، وهو الموسم الذي تتجه فيه النفوس والقلوب إلى أبي عبدالله الحسين ، وإلى تضحياته وسيرته وعطائه، أدعو إلى أن نستفيد من هذا الموسم ونستثمره على صعيد الخطابات والمنابر، في دعم المؤسسات الأسرية، والدعوة إلى قيام مؤسسات تُعنى بالشأن الأسري.

في كلّ مدينة وفي كلّ قرية، نحن بحاجة إلى مركز أو أكثر يُعنى بالشأن الأسري.

ففي كلّ مدينة وقرية هناك عدد من المساجد والحسينيات والأنشطة الدينية، فلماذا لا يكون إلى جانبها مراكز ومؤسسات تهتم بالشأن الأسري؟

إنّ مجتمعنا يحتضن الآن عددًا من الأخصائيين، ومن حملة الشهادات الجامعية في مجالات علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الإدارة، والتنمية البشرية، وعلينا أن نستفيد من هذه الكفاءات والقدرات في تكوين وإنشاء هذه المراكز الأسرية.

في الختام.. أجدد ترحيبي بكم، وكما تعلمون، فإنّ هذا المجلس يرجع الفضل فيه إلى مؤسس هذا المكان الحاج سيعد المقابي رحمه الله، قبل حوالي أربعين عامًا أسس مثل هذا المجلس في بيته المتواضع، وكان يحضره كبار علماء البلد، وكان يقيم وجبة الغداء في هذا اليوم، وأوصى في آخر حياته بأن تستمر هذه المناسبة.

رغم أنّ الصيام في هذا اليوم مستحب، ولكن ثواب إجابة دعوة المؤمن لا يقلّ عن ثواب الصيام، كما هو مفاد الروايات.

نسأل الله أن يتقبل من الجميع، وأن يثبتنا على ولاية أمير المؤمنين وأبنائه الطيبين.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

حفل الغدير 1447حفل الغدير 1447

 

الكلمة التي ألقاها سماحة الشيخ حسن الصفار بمناسبة عيد الغدير الأغر، ظهر يوم الخميس 18 ذي الحجة 1447هـ الموافق 4 يونيو 2026م، في مجلس الحاج سعيد المقابي، القطيف.

[1]  ابن الجوزي، عبدالرحمن بن علي، مناقب الإمام أحمد، دار هجر، ط2، 1409هـ، ص220.
[2]  الحاكم النيسابوري، محمد بن عبدالله، المستدرك على الصحيحين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1990م، ج1، ص628، ح1682.
[3]  البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف، دار الفكر، بيروت، ط1، 1417هـ، ج2، ص351.
[4]  المستدرك على الصحيحين، ج3، ص147، ح4662.
[5]  الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط5، 1409هـ، ج2، ص319ـ321.
[6]  المعتزلي، عبد الحميد بن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، 1407ﻫ، ج19، ص61.