الإنفاق بين الإسراف والتقتير

 

يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [سورة الفرقان، الآية 67].

الدين ليس مجرد عقيدة تستقر في القلب، ولا مجرد عبادات وشعائر يؤديها الإنسان، بل هو منهج في الحياة وتشكيل للشخصية.

والإنسان المتدين في الرؤية القرآنية هو من يمارس الحياة ويديرها بعقلانية واعتدال، يخدم مصلحته الفردية والاجتماعية، ويلبي حاجاته المادية والمعنوية.

وفي أواخر سورة الفرقان تتحدث مجموعة من الآيات الكريمة عن منظومة من التطلعات والسلوك والأخلاق، التي تتصف بها الشخصية الدينية، والمجتمع المتدين، تبدأ من قوله تعالى في الآية 63: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ الى قوله تعالى في الآية 74 ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.

ويأتي في طليعة تلك الصفات السلوكية، منهجية التصرف في المال والإمكانات المادية، يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [سورة الفرقان، الآية 67].

فالأصل في الإنسان المتدين أنّ لديه مالًا، وأنه يكتسب ثروة، فهو ليس كسولًا ولا قاعدًا عن السعي في طلب الرزق، بل يستجيب لأمر الله تعالى بالحركة والعمل.

يقول تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ [سورة الملك، الآية: 5].

ويقول تعالى: ﴿فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [سورة الجمعة، الآية: 10].

وما ورد عن الإمام جعفر الصادق : «لَا خَيْرَ فِي مَنْ لَا يُحِبُّ جَمْعَ الْمَالِ مِنْ حَلَالٍ، يَكُفُّ بِهِ وَجْهَهُ، وَيَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ، وَيَصِلُ بِهِ رَحِمَهُ»[1] .

إنّ المتدين الحقيقي هو من يجدّ ويكدح في طلب الإمكانات المادية، لتسيير أمور حياته وحياة من يعوله، ولمساعدة غيره، ولا يلقي كَلَّهُ على الناس.

ورد عن رسول الله : «مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ أَلْقَى كَلَّهُ عَلَى اَلنَّاسِ مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ يَعُولُ»[2] .

منهجية التّصرف في المال

وحين يمتلك المتدين المال، فإنه يتصرف فيه بمنهجية سليمة، حيث لا يهدر ماله ويسرف في إنفاقه، كما لا يبخل ويقتر على نفسه وعلى من حوله، بل يسلك طريق التوازن والاعتدال.

يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾.

والإسراف هو تجاوز الحدّ المتعارف في الإنفاق في مختلف مجالات الحياة، ففي كلّ مجتمع هناك مستوى متعارف في توفير حاجات الحياة وكمالياتها، حسب مستوى دخل الإنسان، فما يزيد على ذلك يكون إسرافًا.

يقول تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: 31].

وجاء في دعاء الإمام زين العابدين : «وَاْمْنَعْنِي مِنَ السَّرَفِ، وَحَصِّنْ رِزْقِي مِنَ التَّلَفِ»[3] .

وورد عن الإمام جعفر الصادق : «إِنَّ مَعَ الْإِسْرَافِ قِلَّةَ الْبَرَكَةِ»[4] .

أما التقتير فهو التضييق في المعيشة والبخل في الإنفاق، وقد يكون لشحٍّ في النفس أو للمبالغة في الاقتصاد، أو لتصور خطأ في فهم الزهد.

إنّ للإسراف أضرارًا في حياة الإنسان الفردية والاجتماعية، حيث يجعله في دوامة الاستجابة للمظاهر الاستهلاكية، وقد يدفعه إلى التورط في تراكم الديون والأعباء المالية، وحينما تتربى الأسرة على ثقافة الإسراف والاستهلاك، تتشكل أرضية للنزاع بسبب التوقعات والرغبات.

كما أنّ للتقتير أضراره الكبيرة، حيث يُكرّس حالة الشّح والبخل في النفس، ويعيش الإنسان بسببه حالة الكبت والحرمان، ويؤدي إلى التضييق على العيال، وله نتائج سلبية على مشاعرهم تجاه ربّ الأسرة.

ورد عن النبي : «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا، مَا لَمْ يُخَالِطْهُ إِسْرَافٌ وَلا مَخِيلَةٌ»[5] .

وورد عن الإمام علي بن موسى الرضا : «يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى عِيَالِهِ كَيْلَا يَتَمَنَّوْا مَوْتَهُ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‌ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ قَالَ: الْأَسِيرُ عِيَالُ الرَّجُلِ، يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ إِذَا زِيدَ فِي النِّعْمَةِ أَنْ يَزِيدَ أُسَرَاءَهُ فِي السَّعَةِ عَلَيْهِمْ»[6] .

وأما بنعمة ربك فحدّث

حينما سمع أمير المؤمنين علي عن أحد أصحابه وهو عاصم بن زياد، أنه يُقتّر على نفسه وأهله، خاطبه قائلًا: «يَا عُدَيَّ نَفْسِه، لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكَ الْخَبِيثُ، أَمَا رَحِمْتَ أَهْلَكَ ووَلَدَكَ، أَتَرَى اللَّه أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ وهُوَ يَكْرَه أَنْ تَأْخُذَهَا، أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّه مِنْ ذَلِكَ».

قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا أَنْتَ فِي خُشُونَةِ مَلْبَسِكَ وجُشُوبَةِ مَأْكَلِكَ!

قَالَ : «وَيْحَكَ إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ، إِنَّ اللَّه تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ[7]  بِضَعَفَةِ النَّاسِ، كَيْلَا يَتَبَيَّغَ[8]  بِالْفَقِيرِ فَقْرُه!»[9] .

يقول تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [سورة الطلاق، الآية: 7].

وجاء عن الإمام جعفر الصادق : «إِذَا جَادَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْكُمْ فَجُودُوا، وَإِذَا أَمْسَكَ عَنْكُمْ فَأَمْسِكُوا»[10] .

ويقول تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [سورة الضحى، الآية: 11]

ورد عن رسول الله : «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ»[11] .

وعن أبي الأحوص عن أبيه: أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ فِي ثَوْبٍ دُونٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : «أَلَكَ مَالٌ؟»، قَالَ: نَعَمْ مِنْ كُلِّ الْمَالِ، قَالَ : «مِنْ أَيِّ الْمَالِ؟»، قَالَ: قَدْ آتَانِي اللَّهُ مِنَ الإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ، قَالَ : «فَإِذَا آتَاكَ اللَّهُ مَالًا، فَلْيُرَ عَلَيْكَ أَثَرُ نِعْمَةِ اللَّهِ وَكَرَامَتُهُ»[12] .

عن بريد بن معاوية قال: (قال أبو عبدالله [الإمام جعفر الصادق ] لعبيد بن زياد: «إِظْهَارُ النِّعْمَةِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ صِيَانَتِهَا، فَإِيَّاكَ أَنْ تَتَزَيَّنَ إِلَّا فِي أَحْسَنِ زِيِّ قَوْمِكَ». قَالَ: فَمَا رُئِيَ عُبَيْدٌ إِلَّا فِي أَحْسَنِ زِيِّ قَوْمِهِ حَتَّى مَاتَ)[13] .

عن الإمام جعفر الصادق : «إِنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) يُحِبُّ اَلْجَمَالَ وَاَلتَّجْمِيلَ، وَيَكْرَهُ اَلْبُؤْسَ وَاَلتَّبَاؤُسَ، فَإِنَّ اَللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً أَحَبَّ أَنْ يَرَى عَلَيْهِ أَثَرَهَا». قِيلَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: «يُنَظِّفُ ثَوْبَهُ، وَيُطَيِّبُ رِيحَهُ، وَيُجَصِّصُ دَارَهُ، وَيَكْنُسُ أَفْنِيَتَهُ، حَتَّى إِنَّ السِّرَاجَ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ يَنْفِي اَلْفَقْرَ، وَيَزِيدُ فِي اَلرِّزْقِ»[14] .

الإسراف ظاهرة مجتمعية

نلحظ أنّ الآية الكريمة تتحدث عن الإسراف والتقتير كسمة مجتمعية، والمجتمع الإيماني لا ينبغي أن تسود بين أفراده صفة الإسراف والتقتير، وقد تبدأ أيّ عادة مجتمعية بمبادرة أفراد، فإذا كانت عادة غير إيجابية، وتم التغاضي عنها والسكوت عليها تتحول إلى ظاهرة عامة ينساق إليها الجميع.

من هنا تأتي النصوص والتعاليم الدينية، لتحصين المجتمع من العادات السلبية، كعادة الإسراف والمبالغة في الاستهلاك، بحيث تتحول إلى ميدان للتنافس والتفاخر، فترهق غير الميسورين من أبناء المجتمع.

روي عَنْ شِهَابِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ [الإمام جعفر الصادق ] قَدْ عَرَفْتَ حَالِي وَسَعَةَ يَدِي وَتَوَسُّعِي عَلَى إِخْوَانِي، فَأَصْحَبُ النَّفَرَ مِنْهُمْ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَأَتَوَسَّعُ عَلَيْهِمْ، قَالَ : «لَا تَفْعَلْ يَا شِهَابُ، إِنْ بَسَطْتَ وَبَسَطُوا أَجْحَفْتَ بِهِمْ، وَإِنْ أَمْسَكُوا أَذْلَلْتَهُمْ، فَاصْحَبْ نُظَرَاءَكَ‌»[15] .

وعلى الإنسان الواعي تجنب الإسراف وإن كان يجلب له سمعة حسنة.

ورد عن أمير المؤمنين : «أَلَا وإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّه تَبْذِيرٌ وإِسْرَافٌ، وهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَه فِي الدُّنْيَا، ويَضَعُه فِي الآخِرَةِ، ويُكْرِمُه فِي النَّاسِ، ويُهِينُه عِنْدَ اللَّه»[16] .

إنّ من المهم أن يضع الإنسان له ميزانية شهرية وسنوية، ليحقق التوازن والانضباط في التدبير الاقتصادي، ويتناسب صرفه مع مستوى دخله، وهناك قاعدة يتحدث عنها بعض الخبراء في هذا الشأن، ويطلقون عليها اسم قاعدة 50/ 30/ 20.

أي: 50% للاحتياجات الأساسية (دون تقتير)، كالسكن والفواتير والغذاء والتعليم. و30% للكماليات من ترفيه ورغبات، و20% للمستقبل والادخار والطوارئ. ويمكن التعديل في هذه النسب حسب الظروف، ومقتضى الحال.

والتوعية الأسرية مهمة وضرورية في هذا السياق، بإشراك أفراد الأسرة في القرار، وتربيتهم على ثقافة التدبير.

مصادر الخطبة:

1. الألباني، الشيخ محمد ناصر الدين، صحيح سنن الترمذي، مكتبة العارف للنشر والتوزيع، الرياض، ط1، 1420هـ.

2. الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح سنن ابن ماجة، مكتبة المعارف والنشر والتوزيع، الرياض، ط1، 1417هـ.

3. الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح سنن النسائي، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، ط1، 1409هـ.

4. الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق الدكتور صبحي الصالح، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1، 1967م.

5. الصفار، حسن (إعداد وتقديم)، صحيفة زين العابدين الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، أطياف للنشر والتوزيع، القطيف، ط2، 2024م.

6. الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن، الأمالي، دار الثقافة، قم، ط1، 1414هـ.

7. الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.

 

خطبة الجمعة 19 جمادى الأولى 1448هـ الموافق 30 أكتوبر 2026م.

[1]  الكافي، ج5، ص72، ح5.
[2]  الكافي، ج4، ص12، ح9.
[3]  صحيفة زين العابدين، وكان من دعاء في مكارم الأخلاق ومرضي الفعال، رقم: 20.
[4]  الكافي، ج4، ص55، ح3.
[5]  صحيح ابن ماجة، ح2920.
[6]  الكافي، ج4، ص11، ح3.
[7]  يُقَدِّروا أنفسهم: أي يقيسوا أنفسهم.
[8]  يَتَبَيّغ: يهيج به الألم فيهلكه.
[9]  نهج البلاغة، من كلام له بالبصرة، وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي، خطبة: 209.
[10]  الكافي، ج4، ص54، ح11.
[11]  صحيح سنن الترمذي، ح2819.
[12]  صحيح سنن النسائي، ح5239.
[13]  الكافي، ج6، ص440، ح15.
[14]  أمالي الطوسي، ص175، ح526.
[15]  الكافي، ج4، ص287، ح7.
[16]  نهج البلاغة، من كلام له لما عوتب على التسوية في العطاء، خطبة: 126.