الصفة الأهم في عالم الدين
يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [سورة فاطر، الآية: 28].
نحتفي اليوم بذكرى ميلاد السبط الثاني لرسول الله
، سيّد شباب أهل الجنة، سيّد الشهداء الحسين بن علي
، نسأل الله أن يبارك لنا جميعًا هذه المناسبة العطرة، وخير احتفاء بها الاقتباس من هدي الإمام الحسين
والاستضاءة من أنوار توجيهاته.
ولأننا نعيش هذه الأيام ألم فقد عالم جليل، من أبرز علمائنا في المنطقة سماحة العلامة السيد علي السيد ناصر السلمان، رضوان الله تعالى عليه. فلنقتبس من كلمات الإمام الحسين، ما نسلط به الضوء على أهم الجوانب من شخصية فقيدنا الراحل تغمده الله بواسع الرحمة والرضوان.
نقلت لنا المصادر عددًا من الروايات والأحاديث الواردة عن الإمام الحسين
حول فضل العلم وصفات العلماء ومكانتهم في الأمة.
منها ما رواه المفيد في الأمالي، بسنده عن الحسين
عن أبيه أمير المؤمنين علي
، قال رسول الله
: «الْعَالِمُ بَيْنَ الْجُهَّالِ، كَالْحَيِّ بَيْنَ الْأَمْوَاتِ»[1] .
وتأكيدًا من الإمام الحسين
على أهمية نشر معارف الدين بين الناس، جاء في مناقب آل أبي طالب لابن شهراشوب أنّ عبدالرحمن السلمي، علّم ولدَ الحسين الحمد، فلما قرأها على أبيه أعطاه جائزة وفيرة من المال، فقيل له في ذلك. فقال
: «وَأَيْنَ يَقَعُ هٰذَا مِنْ عَطَائِهِ»؟ يَعْنِي تَعْلِيمَهُ[2] .
وفي هذا السياق، جاء في مسند زيد بن علي، قال الحسين بن علي بن أبي طالب: «مَنْ دَعَا عَبْدًا مِنْ ضَلالَةٍ إِلَىٰ مَعْرِفَةِ حَقٍّ، فَأَجَابَهُ، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَعِتْقِ نَسَمَةٍ»[3] .
صفات عالم الدين
من زاوية أخرى، وردت عن الإمام الحسين روايات تتحدث عن بعض السمات والصفات في شخصية عالم الدين.
منها مقولة نقلها الراغب الأصفهاني، في كتابه (محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء)، عن الإمام الحسين
: «لَوْ أَنَّ الْعَالِمَ كُلَّمَا قَالَ أَحْسَنَ وَأَصَابَ، لَأُوشَكَ أَنْ يُجَنَّ مِنَ الْعُجْبِ، وَإِنَّمَا الْعَالِمُ مَنْ يَكْثِرُ صَوَابُه»[4] .
ولم يذكر الراغب الأصفهاني سندًا ولا مصدرًا لهذه الرواية، لكنّ مضمونها صحيح موافق لمنطق العقل والدين.
فالعالم يبذل جهده للوصول إلى الصواب والمعرفة الصحيحة، لكنه بشر محدود القدرات، قد يخطئ، فعليه أن يضع هذا الاحتمال نصب عينيه، ليستمرّ في بذل جهده للوصول إلى الصواب ولا يتوقف في مسيرته العلمية.
وجاء في تحف العقول عن الإمام الحسين
: «مِنْ دَلَائِلِ الْعَالِمِ انْتِقَادُهُ لِحَدِيثِهِ، وَعِلْمُهُ بِحَقَائِقِ فُنُونِ النَّظَرِ»[5] .
إنّ العالم الحقيقي لا يتعصب لما يقول، بل يقوم بالمراجعة والنقد الذاتي لأفكاره ومواقفه، «انْتِقَادُهُ لِحَدِيثِهِ»، وهو من يعتمد منهجية في نظره للأمور والقضايا، ولا يتبنّى الآراء ويتخذ المواقف اعتباطًا وانفعالًا، بل يعرف «فُنُونِ النَّظَرِ»، أي منهجيات البحث.
خشية الله الصفة الأهم
الصفة الأهم في عالم، هي خشية الله. حيث روى الشيخ الطوسي في الأمالي بسنده عن الإمام الحسين بن علي
: «سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
يَقُولُ: الْمُلُوكُ حُكَّامٌ عَلَى النَّاسِ، وَالْعِلْمُ حَاكِمٌ عَلَيْهِمْ، وَحَسْبُكَ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ تَخْشَى اللهَ، وَحَسْبُكَ مِنَ الْجَهْلِ أَنْ تُعْجِبَ بِعِلْمِكَ»[6] .
إنّ غاية العلم التي ينبغي أن يطمح إليها طالب العلم هي الخشية من الله، «وَحَسْبُكَ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ تَخْشَى اللهَ»، أي يكفيك من مكاسب العلم وآثاره اتصافك بخشية الله.
والخشية من الله هي الخوف مع التعظيم، فتارة يخاف الإنسان من أحدٍ لقدرته، وإن لم تكن له مكانة في نفسه، وتارة يخاف من مخالفة من يعظّمه، وهكذا يجب أن يكون الخوف من الله تعالى.
وإذا كان مطلوبًا من كلّ إنسان أن يخشى الله تعالى، فإنّ ذلك مطلوب من عالم الدين بدرجة أعلى، لطبيعة الدور الحسّاس والخطير لعالم الدين، باعتباره مصدرًا للمعارف الدينية، ومرجعًا للناس في أحكام دينهم، وقدوة يتأسى بها الناس في مواقفهم وسلوكهم، فإنه يجب أن يكون أكثر التزامًا بمسؤوليته الدينية في القيام بدوره في هداية الناس وتبليغ أحكام الله باجتهاد وصدق، دون تحريف أو تزوير، ودون إخفاء وكتمان، ودون خضوع لأيّ ترغيب وترهيب.
ويؤكد القرآن الكريم على أن يكون العالم أولى الناس وأحرصهم على الخشية من الله، لمعرفته بالله وبأحكامه وشرائعه.
يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [سورة فاطر، الآية: 28].
إنّ خشية الله هي التي تجعل عالم الدين ملتزمًا بقيم الدين وأحكامه وآدابه، من أجل ضمان نجاته وفوزه عند الله، ولكي يقود الآخرين إلى النجاة والفوز.
إنّ على عالم الدين أن يخاف على نفسه من غضب الله أولًا، ثم يحذّر الآخرين من تعريض أنفسهم للغضب الإلهي.
ورد عن الإمام الحسين بن علي
: «إيّاكَ أنْ تَكوُنَ مِمَّنْ يَخافُ عَلَى العِبادِ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَيَأمَنُ العُقَوبَةَ مِنْ ذَنبِه»[7] .
وخشية الله هي التي تدفع العالم لتحمّل المسؤولية تجاه الدين والمجتمع، دون تهاون وخضوع لأيّ مؤثرات صارفة.
إنّ الله تعالى يتحدث عن أهمية هذه الصفة فيمن يحمل رسالته للناس.
يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [سورة الأحزاب، الآية: 39].
استرضاء الجمهور
إنّ من أسوأ الأخطار أن تكون أولوية عالم الدين استرضاء الجمهور على حساب رضا الله تعالى، فيتحدث للناس بما يعجبهم ويدغدغ مشاعرهم وعواطفهم على حساب الحقائق الدينية والمصالح المهمة للدين والمجتمع، ويتخذ المواقف بناءً على رغبات الجمهور ومراكز القوى الاجتماعية.
ورد عن الإمام الحسين
: «مَنْ طَلَبَ رِضَا اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفاهُ اللهُ أُمُورَ النَّاسِ، وَمَنْ طَلَبَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ وَكَلَهُ اللهُ إِلَىٰ النَّاسِ»[8] .
السيد السلمان نموذجًا
إنّ أهم وأبرز صفات الفقيد الراحل العلامة السيد علي السيد ناصر السلمان مبدأيته في مواقفه الفكرية والاجتماعية، وتحمّله لمسؤوليته الدينية في إرشاد المؤمنين ورعاية مصالحهم.
لذلك اختار الدمام منطقة لعمله ونشاطه الديني، وتحمّل الصعوبات وواجه العقبات حتى يؤسس هذا الكيان الإيماني ويلم شمل المؤمنين، ويربّيهم على الالتزام الديني ويوجههم للاندماج في محيطهم الوطني، ليكونوا وجهًا مشرقًا للتديّن والوعي حسب توجيهات الأئمة
.
وكان يكرّس خطّ الاعتدال والوعي والانفتاح في أحاديثه وتوجيهاته، ويحذّر المؤمنين من الغلو والاتجاهات المتشددة.
وفي هذا السياق كان يشيد بالعلماء المصلحين الذين تعرّضوا للحصار والتعبئة ضدهم بسبب أفكارهم ومواقفهم الإصلاحية الواعية.
وانطلاقًا من هذه الرؤية كان يدعم ويرعى مختلف المبادرات والأنشطة والمؤسسات الثقافية والاجتماعية، ويشجّع الكفاءات والعاملين في مختلف المجالات.
وكان من أواخر إنجازاته الاجتماعية الوطنية مبادرته لإنشاء صرح طبي شامخ هو مركز السيد علي السلمان للفحص المبكر عن الأورام، وإلى جانبه مركز الصحي المجيدية في القطيف، وإنشاء مركز صحي بحي الجلوية في الدمام.
وقد واجهته كثير من الاعتراضات من بعض الأوساط الدينية وحاولوا تشويه مواقفه وسمعته، لكنه كان ثابت المواقف قوي العزيمة انطلاقًا من خشيته لله تعالى.
حتى التحق بالرفيق الأعلى يوم الإثنين الماضي، تغمّده الله بواسع رحمته، وفقده خسارة للدين والوطن والمجتمع، نسأل الله تعالى أن يخلف على الأمة بالخلف الصالح، ونرجو أن يتكرّس نهجه الرسالي في ساحة الأمة والوطن.






