الشيخ الصفار يتساءل: كيف نصنع السعادة في بيوتنا؟

مكتب الشيخ حسن الصفار

 

أكد سماحة الشيخ حسن الصفار أن البيت في الرؤية القرآنية ليس جدرانًا تؤوي الأجسام فحسب، بل فضاءٌ للسكن النفسي، والاطمئنان الروحي، ومصنعٌ للمودة، ومدرسةٌ للتربية الاجتماعية والأخلاقية، ويمكن أن يتحول بحسن استثماره إلى طريقٍ لسعة الدار في الآخرة.

جاء ذلك في كلمة ألقاها سماحته في مجلس آل خريدة بسيهات مساء الأربعاء 8 رمضان 1447هـ الموافق 25 فبراير 2026م، حيث استهل حديثه بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا، مبينًا أن نعمة المسكن من النعم الكبرى التي قد يغفل الإنسان عن قيمتها، لاعتياده عليها.

وأوضح أن تطوّر المسكن عبر التاريخ، يعكس استخدام الإنسان للفكر الذي منحه الله له، وتسخير ما في الكون لتنظيم حياته، مشيرًا إلى أن المسكن ضرورة تحفظ الأمن والاستقرار والخصوصية، وأن من مسؤولية المجتمع تمكين الأسر من حق السكن الكريم.

وتناول سماحته جملةً من العناصر التي تشكّل "ثقافة البيت السعيد" في النصوص الدينية، فبدأ بسعة المنزل، مستشهدًا بأحاديث عن النبي محمد وأهل البيت "عليهم السلام" تؤكد أن «مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ، الْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ»، وأن «لِلْمُؤْمِنِ رَاحَةٌ فِي سِعَةِ الْمَنْزِلِ»، في مقابل ما ورد من أن «مِنْ شَقَاءِ الْعَيْشِ ضِيقُ الْمَنْزِلِ»، مع تأكيده أن مفهوم السعة نسبيّ يختلف باختلاف الأزمنة والظروف.

كما شدّد على أهمية نظافة المنزل وأناقتِه، مبينًا أن الدين لا يقتصر على الشعائر التعبدية، بل يشمل تنظيم الحياة اليومية، مستشهدًا بروايات تحث على إزالة القمامة، وكنس البيت والفناء، وإنارة المنزل، باعتبارها عناصر تُسهم في البركة وحسن العيش.

وفي المحور الأساس من كلمته، أكد الشيخ الصفار أن البيت ينبغي أن يكون مصدر طمأنينة لا ساحة توتر، محذرًا من نقل ضغوط العمل إلى داخل الأسرة، وداعيًا إلى ترسيخ أجواء الرفق والمودة، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً.

كما ركز على البعد الروحي في أجواء المنزل والأسرة، داعيًا إلى دوام حضور القرآن والذكر في البيت طوال العام.

واستشهد بما ورد عن رسول الله : «نَوِّرُوا بُيُوتَكُمْ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ»، وبما ورد عن الإمام الإمام علي «الْبَيْتُ الَّذِي يُقْرَأُ فِيهِ الْقُرْآنُ، وَيُذْكَرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ، تَكْثُرُ بَرَكَتُهُ، وَتَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَتَهْجُرُهُ الشَّيَاطِينُ»، معتبرًا أن البركة تشمل التوفيق والطمأنينة وسعة الرزق.

وتطرق إلى البعد الاجتماعي في الحياة المنزلية، مشيرًا إلى أهمية استقبال الضيوف وصلة الأرحام، مستشهدًا بحديث النبي محمد : «الضيفُ ينزِلُ برِزْقِهِ، ويرْتَحِلُ وقَدْ غفرَ اللهُ لأهلِ المنزلِ»، ومبينًا أن الضيافة تُربي الأسرة على الكرم والانفتاح وتُذيب النزعات الأنانية.

وأشار سماحته إلى ما ورد في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه السلام" حين رأى سعة دار العلاء بن زياد، فقال: «مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِسِعَةِ هَذِه الدَّارِ فِي الدُّنْيَا، وأَنْتَ إِلَيْهَا فِي الآخِرَةِ كُنْتَ أَحْوَجَ؟» ثم أوضح له بقوله: «وبَلَى إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بِهَا الآخِرَةَ، تَقْرِي فِيهَا الضَّيْفَ وتَصِلُ فِيهَا الرَّحِمَ، وتُطْلِعُ مِنْهَا الْحُقُوقَ مَطَالِعَهَا، فَإِذاً أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَا الآخِرَةَ»، ليؤكد أن البيت في الدنيا يمكن أن يكون طريقًا إلى دارٍ أوسع في الآخرة.

وختم الشيخ الصفار كلمته بالدعاء أن يوسّع الله على الجميع في بيوتهم في الدنيا، وأن يجعلها طريقًا إلى سعةٍ أعظم في الآخرة، وأن يوفقهم للأخذ بتعاليم الدين في مختلف جوانب الحياة، سائلًا الله أن يعيد هذه الأيام المباركة على الجميع وهم في أحسن حال.

كما قدم الشكر للحاج علي خريدة على استضافته لهذا اللقاء السنوي، الذي حضره جمع من العلماء والخطباء ورجال الأعمال وحشد من المؤمنين.

خريدة 1447خريدة 1447خريدة 1447خريدة 1447خريدة 1447خريدة 1447خريدة 1447خريدة 1447